|
«القدس بيدنا الآن..!!». هذا ما هتف به
فرحاً أحد الناطقين باسم الجماعات الاستيطانية في القدس في حديث مع
الإذاعة الإسرائيلية مساء السبت 19 مارس 2005، معلقاً على صفقة بيع
«باب الخليل» في العام 2004 والذي تم خلالها بيع الحي الأرمني في
البلدة القديمة إلى إسرائيل، ما أكد تحذيرات سابق بأن عمليات احتيال
إسرائيلية تجري بالتواطؤ مع زعماء كنائس -ليسوا عربا- لتهويد البلدة
القديمة بدأت في العام 1952.
وسيطرت الجماعات الاستيطانية تدريجياً على أجزاء من البلدة القديمة في
القدس تباعا منذ سقوط القدس بيد الاحتلال في 7 يوليو 1967، وقبل انتهاء
العمليات الحربية باشر جيش الاحتلال في 10 يونيو بهدم حي المغاربة وحي
الشرف الملاصقين لحائط البراق «المبكى».
وتولى الضابط في جيش الاحتلال أبراهام شتيرن، بأوامر من وزير الحرب
حينها موشي ديان، عملية هدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها. وعزا ديان هذا
القرار إلى «استعداد إسرائيل لاستقبال مئات الآلاف من اليهود في عيد
نزول التوراة عند ذلك الحائط»، وكان بذلك حي المغاربة أول ما أزاحه
الاحتلال في البلدة القديمة عن الوجود، بعدما ظل قائما لأكثر من 774
عاماً.
وتؤرخ الحركة الصهيونية العام 1772 على انه «عام البداية لهجرات اليهود
إلى القدس خاصة وفلسطين عامة وفيه وصلت أول موجة للهجرة اليهودية
المنظمة من أوروبا الشرقية». ولكن لم تكن هذه الهجرات جدية حتى نهاية
القرن التاسع عشر مع بداية بداية هجرة «أحباء صهيون» والتي يؤرخها
اليهود بحركة الرواد. وفي حينه تمكنت الحركة الصهيونية من شراء 1% من
أراضي فلسطين بأساليب ملتوية من عائلات غير فلسطينية كانت تقيم خارج
فلسطين.
وبدأت الهجرات اليهودية إلى القدس تشكل خطرا على الوجود الإسلامي
والمسيحي في المدينة، مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا
العام 1897 والذي بلور مخططات الحركة لإقامة دولة قومية لليهود في
الخمسين سنة المقبلة على ذلك التاريخ.
واحتل اليهود الشطر الغربي للمدينة (القدس الجديدة) في العام 1948، ولم
يكملوا احتلالهم للمدينة إلا بعد حرب 1967، ومع نهاية شهر يونيو تم
توحيد المدينة، وقامت إسرائيل بضم 500,70 دونم من شرقي القدس والضفة
الغربية إلى منطقة نفوذ بلدية القدس التي كانت فقط 500,24 دونم، أي
أكثر من ثلث المساحة، تمت مصادرتها منذ ذلك الوقت على يد دولة
الاحتلال.
ومعظم الأراضي المصادرة كانت بملكية شخصية لمواطنين عرب. وحتى نهاية
العام 2001 تم بناء 978,46 وحدة سكنية للسكان اليهود فوق الأراضي
المصادرة من شرقي القدس، ولم تخصص حتى وحدة سكنية واحدة من أجل السكان
الفلسطينيين والذين يشكلون نحو 33% من سكان المدينة.
واتخذ استيلاء إسرائيل بعدها على الأراضي في القدس عدة أشكال منها
استخدام القوة العسكرية والمصادرات تحت مزاعم القانون، وإجراءات
قانونية أخرى تمنع الفلسطينيين من بناء أو ترميم بيوتهم، إضافة إلى
الضرائب الباهظة وغيرها من إجراءات تهدف جميعها إلى تهويد القدس وقد تم
لهم ذلك أو كاد. ولم يتبق سوى المقدسات الإسلامية والمسيحية التي تزدحم
فيها القدس القديمة وأوقاف هذه المقدسات. واليوم تركّز المعركة
الإسرائيلية على هذه الأوقاف تحديداً.
وإذا كانت الإجراءات الإسرائيلية من مصادرات وغيرها خصوصا في الأوقاف
الإسلامية لا تجد من يردعها، فان إجراءاتها بالأوقاف المسيحية تتخذ
أشكالاً أخرى غير استخدام القوة ومنها الاحتيال بطرق وأساليب مختلفة،
كان آخرها ما بات يعرف بصفقة «باب الخليل» في الحي الأرمني التي جرت في
العام 2004.
وفور الإعلان عن الصفقة شعر المسيحيون في فلسطين والأردن، بأنهم وقعوا
في مصيدة إسرائيلية بعد تواطؤ أحد محاسب الكنيسة بابا ديموس اليوناني،
وهو متزوج من يهودية ويعيش في تل أبيب وامتلك وكالة عامة على الأموال
المنقولة وغير المنقولة للكنيسة من البطريرك السابق ارينيوس مع جهات
إسرائيلية.
وتوضح لاحقاً أن الوكالة عامة استغلها ديموس لتأجير عقارات لمائة عام
في شارع يعتبر من أقدم واهم شوارع البلدة القديمة في القدس لمجموعة من
رجال الأعمال اليهود، التي تمثل جهات استيطانية يهودية، وفي هذا الشارع
فندقا «الامبريال» و« بترا» اللذان يعتبران وقفا مسيحيا قديما. وهو ما
منح المستوطنين سيطرة شبه كاملة على مداخل البلدة القديمة ومعظم
أراضيها.
ويصف مدير مركز الخرائط في القدس خليل التفكجي معركة العرب في القدس
القديمة مع إسرائيل بأنه «صراع على كل شبر وعلى كل سنتيمتر». ولاحقا
تعهد رئيس أساقفة طابور البطريرك ثيوفيلوس الثالث في العاصمة الأردنية
عمان في 18 أغسطس 2005 بالعمل على إلغاء جميع الوكالات التي صدرت من
قبل الراهب ايرينيوس، البطريرك السابق، لأي شخص كان والمتعلق بموضوع
التصرف بالأملاك المنقولة وغير المنقولة التابعة لبطريركية الروم
الأرثوذكس المقدسية، واتخاذ كل الإجراءات القانونية اللازمة لإبطال أي
عقود أو صفقات بيع أو إيجار تمت بموجب هذه الوكالات المشار إليها أعلاه
أو بغيرها تتعلق بالأملاك المذكورة.
إلا ان رئيس أساقفة سبسطيه للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا ومعه
الحكومة الأردنية والمسيحيين الفلسطينيين والأردنيين، يؤكدون ان
ثيوفيلوس الثالث يماطل ولم يلتزم بتوقيعه. ولهذا سحبت الحكومة الأردنية
اعترافها به لمدة شهرين حتى ينفذ ما تعهد به.
ويقول عضو لجنة الأرثوذكس العرب للدفاع عن الأراضي المقدسة إحسان
حمارنة، إن «البطريركية التي يقودها شخصيات يونانية اعتادت على تأجير
الأراضي المسيحية إلى إسرائيل منذ زمن طويل ومنها صفقة تأجير العام 52
قامت خلالها البطريركية بتأجير 527 دونماً وسط مدينة القدس إلى الحكومة
الإسرائيلية وهي الأرض التي يوجد فيها اليوم (الكنيست) الإسرائيلي ومقر
رئيس الدولة، بعقد إيجار ينتهي في العام 2051، كما قامت بتأجير أراض في
مدينة الناصرة بعقود طويلة المدى تصل إلى 99 عاماً».
ويؤكد حمارنة على أن «عمليات التأجير تجد رفضا كبيرا من المسيحيين
العرب في الأردن وفلسطين الذين يعتبرونها وقفا لا يجوز التصرف بها لا
بالتأجير والبيع. إلا ان هؤلاء يعانون من الضعف كون قيادة البطريركية
يونانية الأصل، حيث يسجل التاريخ ان آخر بطريرك عربي كان في العام
1534، ومنذ ذلك التاريخ استولى اليونان على الرئاسة الروحية وتركيبة
البطريكية وما يسمى بالمجمع المقدس المكون من 17 شخصا مطارنة، 16 منهم
يوناني وواحد عربي وهؤلاء يمتلكون الحق بالتصرف في أمور البطريركية
بشكل واسع فيها يعتبر البطريرك صاحب صلاحيات مطلقة».
تحل الذكرى الأربعون على زلزال يونيو 1967 والعالم العربي يعيش واقعا
مهزوزاً، يحمل في طياته آثاراً أكثر خطورة من النتائج العسكرية لحرب
الأيام الستة والتي أضاعت كامل فلسطين. إذ أنه برغم خسارة الدول
العربية الثلاث التي خاضت الحرب (مصر، الأردن، سوريا) أجزاءً من
الأراضي تصل إلى ثلاثة أضعاف مساحة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في
العام 1948، فضلا عن تدمير معظم قدراتها العسكرية، إلا أن هزة الضربة
الاستباقية الإسرائيلية في صبيحة يوم 5 يونيو، تركت آثاراً عميقة في
جذور الأمة وفكرها القومي التحرري بل وغيرت شكل الشرق الأوسط برمته.
أضاءت الهزيمة حينها شعلة المقاومة وأمل الحرية من جديد، فيما مضت
إسرائيل بالضم والتوسع والتهويد، واليوم أعاد الاحتلال تشكيل نفسه بعد
الانسحاب من قطاع غزة في صيف العام 2005، وقبلها الانسحاب من شبه جزيرة
سيناء بعد توقيع معاهدة السلام مع الجانب المصري العام 1979.
وبمرور السنين استطاعت إسرائيل أن تخلق لذاتها وجوداً راسخا في فضاء
الشرق الأوسط. والآن يتم الحديث عن تطبيع كامل مقابل سلام كامل مع
إسرائيل شريطة الانسحاب من الأراضي المحتلة. إلا أن ما يثير في
استراتيجية السلام العربي، أنها لا تتساوق مع حقائق على الأرض ولا مع
الظرف الدولي الذي تشكل بعد هجمات 11 سبتمر 2001 على واشنطن ونيويورك.
إذ أن الضربة التي وجهها تنظيم «القاعدة» إلى هيبة الولايات المتحدة
ارتدت آثارها بقوة على بنية المنظومة العربية، وأسقطتها في الحسابات
الضيقة والانقسامات المذهبية بل وقع أكثر من بلد عربي تحت الاحتلال أو
دائرة التهديد بالعقوبات.
وطرح المبادرة العربية في ظل أجواء الانقسام هذه، رغم أنها تمثل عرضاً
سخياً بنظر البعض، إلا أنها لم تجد في الطرف المقابل الإسرائيلي
والأميركي آذانا صاغية، والأهم من كل هذا أن المبادرة لا تنسجم مع
حقائق أوجدتها إسرائيل على الأرض تباعاً على مدار السنوات الماضية.
وبعد إعادة إطلاق المبادرة في قمة الرياض، جاء الرد الإسرائيلي
بالإعلان عن تنفيذ أكبر مشروع لتهويد القدس الشرقية (بناء 20 ألف وحدة
سكنية) وبناء أكبر مستوطنة بيئية في الجولان، كما واصلت بناء جدار
الفصل العنصري لضم المزيد من الأراضي في الضفة الغربية بل وحتى عدلت
مساره إلى عمق المناطق المحتلة لضم عدد من المستوطنات وعزل القدس عن
محيطها الفلسطيني بالكامل.
وكان من المفترض في المسارات السياسية الحالية، وهي تحاول معالجة قضية
الشرق الأوسط، أن تسعى في الحد الأدنى إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية
على الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وبالعودة إلى خيار السلام
الاستراتيجي فإنه منذ العام 1991 وانطلاق مؤتمر مدريد للسلام، زاد عدد
المهاجرين اليهود إلى فلسطين لأكثر من 1,1 مليون شخص، وتضاعف حجم
الاستيطان في القدس إلى أربعة أمثاله، فيما غرق الفلسطينيون والعرب في
دوامة العنف الداخلي والمواجهة مع الغرب. |