تكية القدس أو ما يعرف بـ"تكية خاصكي سلطان" مقصد مئات العائلات
الفلسطينية المحتاجة من منطقة القدس والضفة لتأمين طعامهم في شهر
رمضان، مع إعطاء الأولوية للغرباء من القرى المحيطة بالقدس..
ففي كل عام في شهر رمضان المبارك تقصد أم محمد الفروخ (56 عاماً)
مدينة القدس للصلاة فيها، ولتتمكن من تأمين طعام أبنائها من تكية
القدس القريبة من المسجد الأقصى المبارك.
أم محمد، من بلدة العيزرية شرقي المدينة المقدسة، اعتادت على
الوصول تكية القدس يوميا في الشهر الفضيل، إلا أن هذا العام تغير
الحال كما تقول، فاستمرار البناء في الجدار العازل صعب هذه المهمة
عليها.
وأم محمد ليست الوحيدة التي تقصد تكية القدس، أو ما يعرف ب" تكية
خاصكي سلطان" الخيرية، فقد اعتادت مئات العائلات الفلسطينية
المحتاجة من منطقة القدس والضفة الاعتماد عليها في تأمين طعامهم في
شهر رمضان، هذا بالإضافة إلى تأمينها الوجبات لزائري المسجد الأقصى.
ففي حوالي الساعة الثانية ظهرا، يصطف مئات الفقراء والمحتاجين
والغرباء وضيوف الرحمن، للحصول على وجبة الإفطار اليومية، مع إعطاء
الأولوية للغرباء من القرى المحيطة بالقدس وأبناء الضفة لكي
يتمكنوا من العودة إلى منازلهم قبل موعد الإفطار.
وجبات الإفطار تعد في تكية القدس منذ عام 964 هجرية، ففي العام
959هـ الموافق 24 أيار (مايو) 1552م أسس مجمع ضخم علي يد خاصكي
زوجة السلطان سليمان. ويقع هذا المجمع علي بعد 50م فقط غربي رباط
بيرام جاويش علي الطريق المؤدي إلي باب الناظر، أحد أبواب المسجد
الأقصى الغربية.
ووصفت ساحته الكبرى وأجنحته وأبوابه وغرفه ذات الأبواب البالغ
عددها 55. وبالإضافة إلي أجنحة النزل المخصصة لإيواء الزائرين
والدراويش يضم المجمع مسجدا ومطبخا وفرنا وقاعة لتناول الطعام
وغرفا لتخزين المواد التموينية وخانا ذا اصطبلات.
خدمات خيرية
وكانت تكية القدس من أكبر المؤسسات الخيرية في فلسطين طيلة العهد
العثماني، واستمرت في تقديم الخدمات للفقراء والمرابطين والمسافرين
لمئات السنين.
وهذه التكية واحدة من اثنتين فقط في أرض الإسراء والمعراج، وهما "تكية
القدس والواقعة بجوار المسجد الأقصى المبارك، والثانية تكية سيدنا
إبراهيم عليه الصلاة والسلام في مدينة الخليل".
وعلى الرغم من مصادرة أوقاف التكية، من عمارات وافران وحجرات لنوم
المصلين، والتي كانت تدعم مصاريفها وخدماتها، وذلك منذ الاحتلال
الإسرائيلي عام 1948، إلا أن الأوقاف الإسلامية في القدس أعادت
ترميم مبنى التكية الذي تهدم بفعل الاحتلال والزمن الطويل عام 1990
واستعادت التكية منذ ذلك الحين نشاطها في خدمة العائلات المقدسية
المحتاجة وكذلك من يتمكن من الوصول إلى المدينة من أهالي الضفة
الغربية.
ويقول مدير عام الزكاة الشيخ عماد أبو لبدة "إن تكية القدس تقدم
وجبات ساخنة من اللبن واللحم وشوربة "الدشيشة" وهي عبارة عن قمح
مجروش، مع الخبز، طيلة أيام السنة، حيث يخصص يوم الثلاثاء من كل
أسبوع لتوزيع هذه الوجبات على فقراء المدينة ومحتاجيها".
ويشير الشيخ أبو لبدة، إلى إن رواد التكية يزدادون كلما عصفت المحن
بالبلاد، وازداد الفقر في المدينة، لكن بفضل الله ثم هذه التكية "لا
يبيت جائع في هذه المدينة" حيث يستفيد من هذه التكية جميع فقراء
المدينة التي يزيد عدد حاليا عن 200 ألف مسلم.
ازدياد الوافدين
وقد ازدادت في الفترة الأخيرة أعداد الوافدين إلى التكية بسبب
الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تفرضها سلطات الاحتلال على
المقدسيين وسكان ضواحيها، في ظل سياسات تهويد المدينة وتهجير
سكانها وفرض الضرائب الباهظة عليهم وغلاء المعيشة غير المسبوق،
وارتفاع نسب البطالة بين المواطنين، إلى جانب فصل المدينة عن
امتدادها السكاني والمعيشي من قرى وضواحي بفعل جدار الفصل العنصري،
الأمر الذي أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي للأسر المقدسية عامة.
وإزاء هذا الواقع المتردي كان لزاما على دائرة الأوقاف، كما يقول
أبو لبدة أن تهتم بالتكية للتخفيف من الضائقة الاقتصادية وتثبيت
المسلمين بجوار ثاني المسجدين وثالث الحرمين، وقطع الطريق على
إغراءات هجرتهم من حول المسجد الأقصى، مع العلم أن معظم العائلات
التي تسكن بالقرب منه هي من العائلات الفقيرة والتي تحتاج إلى دعم.
وفي أيام رمضان المبارك، تنتشي التكية من جديد لتبدأ بتقديم آلاف
الوجبات اليومية، سواء للفقراء والمحتاجين من سكان القدس وضواحيها،
أو للمصلين الذين يتمكنوا من الوصول إليها عبر الحواجز والطرق
الوعرة، إلى جانب تقديمها أكثر من 80 وجبة دائمة لحراس المسجد
الأقصى المبارك.
ويشرح الشيخ عماد أبو لبدة معاناة تكية خاصكي سلطان، في ظل مصادرة
ريع أوقافها من قبل سلطات الاحتلال منذ العام 1948، حيث منعت عنها
مصادر تمويل الخدمات والوجبات التي تقدمها وتعدها، كما أن البقية
الباقية من أوقافها منحت بالمجان لمؤسسات خيرية في القدس.
وتقدر الكلفة اليومية لوجبة طعام ساخنة تقدمها التكية يوميا، بنحو
5000 آلاف شيكل (أي ما يقارب 1300 دولار في اليوم الواحد) وذلك في
الأيام العادية.
أما في شهر رمضان فيرتفع عدد المستفيدين إلى حوالي 500 عائلة
محتاجة، ويزيد عدد ضيوف المسجد الأقصى وخاصة في ليلة القدر، والذين
يعتمدون على التكية في الحصول على وجباتهم إلى 1000-3000 شخص،
ويقدم لهم جميعا وجبات إفطار ساخنة مع سحورهم.
وحسب الشيخ أبو لبدة، تصل تكلفة الوجبات التي تقدمها التكية، إلى
أكثر من 60 ألف شيكل شهريا في حين تبلغ الكلفة السنوية 720 ألف
شيكل، أي ما يعادل ( 200 ألف دينار أردني).