تعددت وسائل وأساليب قوات
الاحتلال الصهيوني في إفراغ القدس
من سكانها، ما بين الضرائب
الباهظة التي تثقل كاهل المقدسي،
وانعدام أساسيات الحياة الكريمة،
وحرمانهم من نيل تراخيص للبناء،
وبين سياسات سحب الهوية إذا ما
اغترب المقدسي عن بلدته لأكثر من
سبع سنوات؛ فإنه لا يتمتع بأدنى
حقوق المواطنة، وتمنع أيضًا عن
عائلته وأولاده، فلا يستطيعون
سبيلاً إلى دخولها، وليس أخيرًا
بإيجاد القيود القانونية على زواج
المقدسي من فتيات الضفة الغربية
أو القطاع أو العكس.
في زمن الانتفاضة الأولى عملت
قوات الاحتلال الإسرائيلي على سحب
هوية المقدسيين والمقدسيات اللذين
يقيمون خارج حدود بلدية القدس مع
عائلاتهم، وعمدت أيضًا إلى منع
أفراد عائلاتهم من حملة هوية
الضفة الغربية أو قطاع غزة من
الإقامة في القدس، واستمرت هذه
السياسة خلال انتفاضة الأقصى
الثانية، وبناء جدار الفصل
العنصري، الذي قضى بتشريد 800
أسرة من حملة الهويات المختلفة في
منطقة العيزرية والسواحرة الشرقية
ومنطقة أبو ديس، حيث باتت تلك
العائلات تواجه مصيرًا مجهولاً،
خاصة بعد قرار تجميد لم الشمل
الصادر في العام 2002 عن الحكومة
الإسرائيلية، والذي قضى على أية
آمال للتواصل والعيش المستقر بين
العائلات الممزقة، بسبب التفرقة
بين حاملي الهوية المقدسية وغيرهم
من حاملي هوية الضفة الغربية أو
قطاع غزة.
التقرير التالي يفتح ملف الزيجات
بين ضفتي الوطن المحتل؛ القدس
والضفة الغربية وقطاع غزة، يعرض
لمأساة العائلات الفلسطينية التي
قضت قوانين الاحتلال المجحفة
بتشريدها وتشتتها:
مسموح..لكنه محظور
الأعراف والتقاليد الفلسطينية لم
تمنع زواج المقدسيين من أهالي
الضفة الغربية أو قطاع غزة،
والعكس صحيح تمامًا، كما لم تحظر
ذلك القوانين الوضعية ولا
التشريعات السماوية، فقط الاحتلال
من منعها وقوضها، ويريد أن ينهيها
إلى زوال، بهدف إفراغ المدينة
المقدسة من أهلها الأصليين، بما
يضمن عدم تهديد الطابع اليهودي
والأغلبية اليهودية في المدينة
المقدسة، ويؤدي إلى حرمان تلك
العائلات تحت سقف بيت واحد
لممارسة حياتهم الأسرية، وحرمانهم
من انتمائهم للمدينة المقدسة،
بالإضافة إلى منع تواصلهم مع
أفراد أسرهم في الضفة الغربية أو
قطاع غزة؛ لأن خروجهم عن حدود
بلدية القدس لأكثر من سبع سنوات
ينفي عنهم الانتماء للمدينة
المقدسة، وحتى الدخول إليها إلا
خلسةً عبر طرق التفافية وعرة
بعيدًا عن الحواجز العسكرية التي
تقطع أوصال المدينة وتفصلها عن
محيطها في الضفة الغربية.
يفصل حاجز قلنديا بين المواطنة
المقدسية دينا ناصر وزوجها الذي
يعيش في بلدة بير زيت بالقرب من
رام الله، والسبب أن الزوج يحمل
هوية الضفة الغربية، ووفقًا
لقانون التجنيس الإسرائيلي المعدل
عام 2002 ممنوع عليه أن يعيش مع
زوجته في القدس، إذ إنه لا يحمل
الهوية المقدسية التي تخوله من
ذلك، تقول زوجة ناصر: "لا يستطيع
زوجي بفعل حواجز الاحتلال أن يصل
إلى القدس للقائنا، ولا أستطيع أن
أذهب وأطفالي للعيش معه في الضفة
الغربية؛ لأن ذلك يفقدنا حقوقنا
في القدس"، وتستطرد حديثها بكثير
من الألم والحزن:"قوات الاحتلال
الإسرائيلي تعمد إلى هذه السياسات
فقط لأجل تهجير سكان القدس؛ تضيق
علينا الخناق، وتحرمنا من أبسط
حقوقنا في العيش سويًا مع أزواجنا،
فقط لتفقدنا حقوقنا في القدس".
ترتعد أنفاسها غضبًا وقهرًا..
تشير أنها حاولت مرارًا وتكرارًا
عمل لم شمل لزوجها، إلا أن كل
المحاولات باءت بالفشل، وكان
التشتت والتشرذم مصير عائلتها
الصغيرة التي تعاني آلامًا
وأوجاعًا بلا حدود، في ظل انفصال
زوجها قسرًا عنها هي وأطفالها في
مدينة أخرى، لا يملك فيها حولاً
ولا قوة، سوى وعود بأن يتحسن
الحال قريبًا"، وتستكمل: "يأتي
إلينا عبر طرق التفافية يواجه
فيها مخاطر كثيرة، وأحيانًا أخرى
أتحمل عناء التنقل بين الحواجز
للوصول إليه في بيرزيت، نقضي
بعضًا من الوقت سويًا ثم ما نلبث
أن نفترق على أمل اللقاء قريبًا
دون قيود أو معاناة تدمي القلوب،
وتجرح النفوس".
إقامة تجدد
سنويًا.. ولكن
لم تشفع الإقامة المؤقتة للمواطن
"حسان"- اسم مستعار رفض صاحب
القصة الإفصاح عن اسمه الحقيقي
خشية على مصيره من سلطات الاحتلال-
من بيت لحم، لتمكنه من الدخول إلى
المدينة المقدسة والمكوث بجوار
أسرته التي كونها بعد الزواج عام
1990، يقول الرجل: " تزوجت بفتاة
مقدسية وانتقلت للعيش معها في
القدس الشرقية، ومن ثم في العام
1994 بدأت بإجراءات لم الشمل؛
للحصول على الإقامة في القدس، لكن
دون جدوى حتى الآن بسبب مماطلات
دولة الاحتلال، والقرار الأخير
الصادر عن الحكومة بتجميد النظر
في طلبات لم الشمل للفلسطينيين،
خاصة المتزوجين من مقدسيات"، يصمت
الرجل ووراء صمته المزيد من
الكلام عن أوجه المعاناة التي
تجرعها، فقط لكونه من حملة هوية
الضفة الغربية، وتزوج من مقدسية،
وأراد أن يمارس حقه الطبيعي في
إدارة أمور أسرته الصغيرة من تحت
سقف بيت واحد يجمعه بزوجته
وأطفاله، يؤكد أنه قدم لسلطات
الاحتلال كافة الإثباتات والأدلة-
المتمثلة بفواتير دفع رسوم
البلدية (الأرنونا)، والمياه،
والهاتف، وعقد إيجار البيت،
وشهادات من مدارس الأولاد- التي
تبرهن على أن القدس هي المكان
الرئيس الذي يمارس فيه حياته، إلا
أنه لم يحظ بالموافقة على لم
الشمل، ويوضح أنه تمكن بشق الأنفس
في العام 1997 أن يحصل على تصريح
عمل في القدس يتم تجديده كل شهرين،
ومن ثم في العام 2000 تمكن من
الحصول على الإقامة الأولى التي
تجدد تلقائيًا كل عام إلى حين
صدور الإقامة الدائمة بلم الشمل
مع أسرته، إلا أنه وبعد أن وصلت
العقدة إلى نهاية الحل خرج قرار
في نوفمبر 2002 من الحكومة
الإسرائيلية عبر الوزير يشاي
بتجميد الإجراءات، حرم على إثره
من الاجتماع بأسرته، وعانى
الويلات، وتجرع عذابات، وما زال
حتى الآن حيث أشار أن عددًا من
الجنود قاموا بإيقاف باص كان
يستقله بالقرب من باب الخليل، وما
إن علموا بعدم حيازته للإقامة في
المدينة المقدسة حتى أذاقوه
العذاب ألوانًا، وجعلوه يمكث تحت
أشعة الشمس الحارقة ساعات طويلة،
يزفر الرجل تنهيدة قهر أبدية
ارتسمت علاماتها على ملامح وجهه
البائسة قائلاً:" تفاصيل حياتي
مغمورة بالقلق والمعاناة والألم
بفعل عدم حيازتي للإقامة في
المدينة المقدسة، والتي تمكنني من
الدخول إليها والخروج منها وقتما
أردت، بت أخشى زيارة أهلي في بيت
لحم، لئلا احُتجز هناك وأمنع من
العودة إلى القدس ثانيةً وأحرم من
زوجتي وأطفالي".
الانتقال
لبيت الزوج
ترفض قوات الاحتلال أن تمنح
الفتيات المقدسيات المتزوجات من
أهل الضفة الغربية أو قطاع غزة لم
شمل، وعلتها في ذلك أنه يجب على
الزوجة الانتقال إلى بيت زوجها
أينما كان، وليس العكس ونقله إلى
حيث هي تسكن.
تقول أم براء: إنها مقدسية وكان
النصيب أن تقترن برجل من الضفة
الغربية، ولأنه كان صعب عليها
الانفصال عن مدينتها، وترك
أحلامها وذكرياتها الوردية في
المدينة المقدسية، ناهيك عن أنها
موطئ آبائها وأجدادها، وحرصًا
منها على الإقامة فيها وحقها في
أرضها، عمدت إلى التقدم بطلب لم
شمل لزوجها، ليحيا في القدس معها،
إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي
رفضت الطلب مرارًا وتكرارًا،
متعللة بضرورة انتقال الزوجة إلى
بيت زوجها الضفاوي وليس العكس،
وبنبرة صوت خافتة حزنًا وألمًا
تقول أم براءة: "لم أملك وقتها
إلا الولوج إلى بيت زوجي في الضفة؛
لعدم استطاعتي البقاء في القدس
وحيدة مع تساؤلات أبنائي عن أبيهم
الذي تفصلنا عنه بضعة كيلومترات".
هكذا هي القوانين الصهيونية تقضي
بتشتيت العائلة الواحدة وتمزيقها،
ما يضر بالنسيج الاجتماعي
الفلسطيني بالقدس، فهي تضع
العائلة بين خيارين أحدها أنكى من
الآخر، فالزوج إذا كان من مدينة
القدس والزوجة من أي مدينة أخرى
بالضفة الغربية، فإن حلم الاجتماع
سويًا في بيت زوجية واحد بعيد
المنال، والخيار لدى الزوجة من
مدينة القدس أقسى وأصعب، فإما أن
تتنازل عن كل حقوقها في المدينة
المقدسة، وتنتقل للعيش مع زوجها
بالضفة الغربية، وإما أن تنفصل
العائلة فتصبح الزوجة في بيت،
والزوج في بيت آخر