تقارير

 
 

في الذكرى الـ 37 لإحراقه.. مؤسسة القدس الدولية ترصد الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى خلال الـ20 شهراً الماضية

أرشيف التقارير

17/9/2006

 

 يشكّل العمل الإعلامي المؤسس على المهنية العالية والحرفية العلمية والموضوعية والدقة، والهادف إلى التعريف بواقع القدس والمسجد الأقصى في ظل تصاعد الخطر الصهيوني المحدق بالمدينة المقدسة والمسجد المبارك، ورصد الاعتداءات الصهيونية وتحليل تداعياتها،  أحد أبرز الأهداف التي تسعى مؤسسة القدس الدولية لتحقيقها، وذلك في إطار مهمتها الأساس وهي تحشيد دعم الأمة، رسمياً وشعبياً، لنصرة المدينة المقدسة وتعزيز صمود أهلها للتصدي للخطر الصهيوني الداهم والمتمثل بتهويد  المدينة وتدمير المسجد الأقصى المبارك.

وفي هذا السياق، أصدرت مؤسسة القدس الدولية تقريراً حول الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى خلال الفترة الممتدة من (1/1/2005 ـ 21/8/2006) حذرت فيه من المخاطر والتهديدات الصهيونية المتزايدة التي تحيق بالمسجد الأقصى المبارك، لافتة إلى أن مسار ومنهجية الاعتداءات الصهيونية على المسجد، تشير بشكل جلي "إلى وجود مخطط واضح لتقسيم  المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود"، مطالبة جميع "المهتمين والمعنيين  بتغيير جذري في أدوارهم تجاه المسجد الأقصى، وفي الطريقة التي يؤدّون فيها هذه الأدوار".

وقد انطلق التقرير من مقدمة حول دور وأهمية المسجد الأقصى، الذي شكّل وما يزال أهم العقبات أمام أية تسوية سلمية في المنطقة، مستعرضاً أهم الاعتداءات التي طاولت المسجد الأقصى من قِبَل  المؤسسة الرسمية الصهيونية أو المنظمات اليهودية المتطرفة أو الجهات غير الحكومية.

وتوقف التقرير، بالتحليل والإشادة،  أمام التحرك الشعبي الفلسطيني ودور الفصائل الفلسطينية دفاعاً عن المسجد الأقصى طيلة عشرين شهراً الماضية، لينتقل بعد ذلك إلى تقويم الموقف الفلسطيني الرسمي والموقف العربي والدولي من مسألة حماية المسجد الأقصى.

ويتوزع تقرير مؤسسة القدس الدولية والذي صدر بمناسبة الذكرى الـ37 لإحراق المسجد الأقصى على يد متطرف صهيوني في 21-8-1969، على 33 صفحة، وقد ذكر بالتفصيل الاعتداءات التي طاولت المسجد الأقصى طيلة عشرين شهراً خاتماً بتوصيات إلى الجماهير والفصائل والسلطة الفلسطينية، كما للحكومات العربية عامة وللحكومة الأردنية خاصة، إضافة إلى الجماهير العربية والجهات العاملة للقدس، والمجتمع الدولي والمنظمات الدولية عموماً.

ولأهمية هذه المادة الإعلامية، ينشر "المركز الفلسطيني للإعلام" في موقعه على "الانترنت" ليشاطر مؤسسة القدس الدولية في دق ناقوس الخطر المحدق بالمسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة، وفيما يلي النص الكامل للتقرير:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ملخص تنفيذي

 لقد كان مستقبل القدس، ووضع المسجد الأقصى تحديداً، إحدى العقد الأساسية لعملية التسوية السلمية التي انطلقت  في أوسلو عام 1993، وكانت الصخرة التي تكسّرت عليها هذه التسوية، ومن ثم كان المسجد الأقصى نقطة الاستفزاز لتثبيت "حق" يهودي فيه، ونقطة انطلاق الانتفاضة التي سُميت باسمه. خلال الانتفاضة بدأت دولة الاحتلال تبلور رؤية استراتيجية جديدة لتسوية الصراع قائمة على فرض ما تراه مقبولاً من جهتها وتنفيذه على الأرض كحل أحادي، وبدأ الجدار يعيد تشكيل خارطة الضفة الغربية والقدس، تبعه الانسحاب من غزة، وتسوية وضع المسجد الأقصى كانت بكل تأكيد جزءاً من هذه الخطة، وهذه التسوية المقبولة تقضي بفرض تقسيم المسجد الأقصى بين اليهود والمسلمين.

خلال عشرين شهراً امتدت بين 1/1/2005 و21/8/2006 قامت الأجهزة الرسمية (الإسرائيلية) بأعمال أساسية على طريق تحقيق السيطرة على المسجد الأقصى بكل شكلٍ ممكن، فخلقت فيه ومن حوله "مجالاً أمنياً إليكترونياً" قائماً على شبكة من الكاميرات وأجهزة الرؤية الليلية والمجسات الحرارية التي تسمح بمراقبة دقيقة ومحكمة للمسجد ومحيطه، وأعدت قوة تدخل سريع لتنفيذ المهام داخله، وحاولت التدخل في مسؤولية ترميم وإصلاح أبنية المسجد التي هي منوطة حصراً بدائرة الأوقاف في القدس، وأتمت أعمالاً إنشائية لوصل ساحة البراق (المبكى)، مكان تعبّد اليهود، بالمسجد مباشرة من خلال جسر يصلها بباب المغاربة، وافتتحت مواقع سياحية لزيارة الجمهور (الإسرائيلي) في الحفريات أسفل المسجد الأقصى. من جهتها عملت المنظماألأت الاستيطانية بدعم وتغطية حكومية، وبالتناغم والتكامل مع دور المؤسسة الرسمية على تثبيت "الحق اليهودي" في الصلاة وإقامة الطقوس في الأقصى، فدعت إلى اقتحامات متكررة للمسجد، ونجحت في تنفيذ اقتحامات جماعية مصغرة في غير الأوقات المعلنة.

لقد بلغ عدد الاعتداءات الفعلية المنفذة ضد المسجد 66 اعتداءً كانت الجهات الحكومية للاحتلال مسؤولة عن 51,5% منها، فيما بلغ عدد التصريحات العدائية الرسمية والسياسية ضد المسجد 15 تصريحاً، ناهيك عن التكرارات الكثيرة لفحوى هذه التصريحات.

أمام هذه التطورات رصد التقرير التحرك الفلسطيني الشعبي والرسمي للدفاع عن المسجد، والموقف الرسمي العربي إضافة للموقف الدولي وخرج بالتوصيات التالية:

أمام التهديد المصيري الذي يحيط بالمسجد الأقصى، فإن كل المهتمين والمعنيين مطالبون بتغيير جذري في أدوارهم تجاه المسجد الأقصى، وفي الطريقة التي يؤدون فيها هذه الأدوار:

 

‌أ-     توصيات للجماهير الفلسطينية:

بعد التأكيد على دورهم وإكباره، نحذر أهل الأرض المحتلة عام 1948 من احتمال بدء المؤسسة (الإسرائيلية) بتقييد قدرتهم على دخول القدس والتوافد على المسجد الأقصى، وندعو أهل الأرض المحتلة عام 1967 أن لا يسمحوا لأية قضية من أن تشغلهم عن القضية الأساس التي انطلقوا من أجلها في انتفاضة الأقصى.

 

‌ب- توصيات للقوى والفصائل الفلسطينية:

بعد التنويه بدورها الرائد في التفاعل مع التهديدات ضد المسجد الأقصى ندعو الفصائل والقوى لتبني استراتيجية مشتركة تتجاوز التجاوب العفوي بسبب تغير طبيعة التحدي وخطورته.

 

‌ج-  توصيات للسلطة الفلسطينية:

بعد التأكيد على أن الصيغة التي نشأت بموجبها السلطة تحرمها من أية قدرة على التواجد أو التأثير الفعلي في القدس، والقيود التي أضافتها الاعتقالات على تحركها في القدس، ندعو السلطة لاستحداث بدائل خلاقة للعمل في القدس حتى لو كانت بطرق غير تقليدية بمفهوم العمل الحكومي والبيروقراطي.

 

‌د-    توصيات للحكومة الأردنية:

بعد التأكيد على سعي الحكومة الأردنية للوصاية على الأماكن المقدسة وإصرارها على تولي هذه المسؤولية، وأنها الآن بالفعل الوصية عليها بموجب القانون الدولي وبموجب معاهدة وادي عربة التي وقعتها مع حكومة الاحتلال، نؤكد أن خدمة المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية تكليف يقتضي جهداً وعملاً وليس تشريفاً، وندعو الحكومة الأردنية لتحمل مسؤوليتها تجاه القدس بمناهضة أي تغيير يجريه الاحتلال في القدس، ولتعبئة كل أجهزتها ومؤسساتها بما يتجاوز مشاريع متفرقة للإصلاح والإعمار.

 

‌هـ-     توصيات للحكومات العربية:

بناء على التشخيص بأن الحكومات العربية تتعامل مع قضية المسجد الأقصى وكأنه مسألة داخلية في دولة شقيقة، ندعو الحكومات العربية إلى تغيير هذا الأسلوب والعمل ضمن استراتيجية واضحة ومحددة لحماية المسجد من مصير التقسيم بالحد الأدنى إن لم تكن قادرة على تحريره، كما ندعوها لدعم وإسناد الدور الذي يجب أن تضطلع به الحكومة الأردنية بصفتها الوصية على الأماكن المقدسة.

 

‌و-    توصيات للجماهير العربية والجهات العاملة للقدس:

بناء على حقيقة أن وجود الاحتلال يعوق التدخل المباشر لكل من هو خارج فلسطين في شؤون المسجد الأقصى، ندعو الأحزاب والقوى والمؤسسات العربية والإسلامية إلى تكريس جهد دائم لنصرة المدافعين عن الأقصى، والتخطيط والتحضير لحملات وتحركات فعّالة ومحددة الأهداف تتناسب مع تهديدات خطيرة وحقيقية سيتعرض لها المسجد الأقصى خلال المرحلة القادمة، وندعو هذه القوى إلى الحفاظ على رمزية القدس والمسجد الأقصى في وعي الجماهير ليظلا عنوان المواجهة مع المشروع الصهيوني مهما تعددت العناوين.

 

‌ز-    توصيات لوسائل الإعلام والإعلاميين:

بناء على الملاحظة المتأنية لضعف تغطية شؤون القدس والمسجد الأقصى كماً ونوعاً في وسائل الإعلام العربية والإسلامية، وعدم وضعهما في رتبة الأولويات حتى عندما يحظيان بالتغطية، ندعو إلى إيلاء اهتمام خاص لتغطية أخبار القدس والمسجد الأقصى وخلق الآليات اللازمة لذلك، وإبقاء هذه القضية ضمن القضايا الأساسية في مختلف أنواع التغطيات الحوارية والوثائقية والثقافية ليتأكد في الوعي أن كل التضحيات والإنجازات في مواجهة مشروع المحتل يجب أن تصب في النهاية تغيّراً للأحسن في أوضاع القدس والمسجد الأقصى.

 

‌ح-  توصيات للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية:

 بعد التذكير بأهم قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمسجد الأقصى ومضامينها، وبعد تشخيص حقيقة انتقائية مجلس الأمن في تطبيق القرارات، وعجز الأمم المتحدة عن تطبيق قراراتها المذكورة، ندعو إلى تحقيق الحد الأدنى الممكن بتعيين لجنة تراقب أوضاع المقدسات وتوثق الاعتداءات المتتالية على المسجد الأقصى وبقية المقدسات، كما ندعو الأونيسكو والمؤسسات المعنية إلى توثيق ما يتم تدميره من تراث إنساني على يد سلطات الاحتلال (الإسرائيلي) في إجراءاتها في القدس.


 

المحتويات

ملخص تنفيذي.

المحتويات.

أولاً: مقدمة:

ثانياً: التطورات والاعتداءات:

1- أعمال المؤسسة الرسمية (الإسرائيلية):

2- أعمال المنظمات اليهودية المتطرفة والجهات غير الحكومية:

3- التحرك الفلسطيني الشعبي:

4- موقف السلطة الفلسطينية:

5- الموقف الرسمي العربي:

6- الموقف الدولي:

ثالثاً: إحصاءات:

رابعاً: توصيات:

خامساً: تفاصيل الأحداث:

الاعتداءات خلال العام

الاعتداءات خلال العام

فريق الإعداد

 

حول التقرير ومنهجيته

 هذا التقرير يُعنى برصد الاعتداءات على المسجد الأقصى خلال الفترة بين 1/1/2005 وحتى 21/8/2006 الموافق الذكرى السابعة والثلاثين لإحراق المسجد الأقصى، على أمل أن ينتظم إصدار هذا التقرير في هذه المناسبة من كل عام ليرصد كل ما يتعرض له المسجد الأقصى من اعتداءات ومخططات ومؤامرات تهدد مصيره، ويشكل وقفة سنوية مع المسجد تُقيم ما وصل إليه حاضره، وتستشرف مستقبله.

هذا التقرير هو جزء خاص من عملٍ شامل تقوم به المؤسسة لتوثيق كل ما يحصل في مدينة القدس من أحداث وتغيرات واعتداءات واستيطان وتهويد تحت عنوان (عين على القدس)، تصدر نسخته الشهرية عن مؤسسة القدس في شكل مجلة دورية، ويتم العمل على إصدار نسخته السنوية في كتابٍ سنوي. وهذا الجهد التوثيقي هو جزء من مجموعة أعمالٍ ومشاريع كرستها المؤسسة لخدمة المقدسات في مدينة القدس.

لقد حاولنا في هذا المشروع استحداث منهجية بحثٍ توافق طبيعته، فكل خبر ورد في مصدر واحد فقط وضعنا في نهايته رقماً صغيراً يشير إلى مصدره، ورتبنا المصادر ضمن أرقام ثابتة من 1-12. وفي حال اتفق أكثر من مصدر من جهة واحدة على خبر معين نُشير لذلك بحرف صغير في نهاية الخبر، فإن اتفقت المصادر الفلسطينية على خبر لم يرد له ذكر في المصادر (الإسرائيلية)، نضع بعد الخبر حرف (ف) صغير، أما إن اتفقت المصادر (الإسرائيلية) على خبر لم تُشر إليه المصادر الفلسطينية، أو أشارت له لكنها نقلته نقلاً ولم تُضف عليه أي تفاصيل، نُشير إليه بحرف (س) صغير بعد الخبر.

أما الأخبار التي توافقت عليها كل المصادر الصحفية، فلم نجد أي داعٍ لأن نحدد لها مصدراً بعينه فهي أحداث مشهورة عُممت على كل المصادر، ولهذا تركنا مثل هذه الأخبار دون إشارة إلى أي مصدر، لنقول بأن هذه الأخبار متفق عليها بين مصادرنا المختلفة. 

وأما الأرقام الثابتة للمصادر فكانت كالتالي:

الرقم

المصدر

موقعه على الانترنت

1

صحيفة القدس

www.alquds.com

2

صحيفة الأيام

www.al-ayyam.com 

3

صحيفة الحياة الجديدة

www.alhayat-j.com

4

وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)

www.wafa.pna.net

5

المركز الفلسطيني للإعلام

www.palestine-info.info

6

قدس برس

www.qudspress.com

7

يديعوت أحرونوت

www.ynet.co.il

8

يروشليم بريشت

www.02net.co.i

9

لوكال يروشليم

www.local.co.il/jerusalem

10

معاريف

www.nrg.co.il

11

هآرتس

www.haaretz.co.il

12

ريشت بيت شل كول يسرائيل

www.bet.iba.org.il

 

إننا في مؤسسة القدس نُرحب بأي اقتراح أو تصويب أو تطوير، ونرجو من المهتمين مراسلتنا على العنوان التالي:

قسم الإعلام والأبحاث

مؤسسة القدس

بريد إليكتروني: info@alquds-online.org


 

أولاً: مقدمة:

الاحتلال كان البداية، واتفاقات أوسلو عام 1993 التي وقعت بين دولة الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية شكلت مفترق الطرق الأساس لقراءة وضع فلسطين والقدس اليوم، إذ اتفق الطرفان حينها على الاعتراف المتبادل، وعلى بعض بوادر حسن النوايا للوصول إلى حل سلمي للقضية الفلسطينية، ورُحّلت قضايا الخلاف الأساسية إلى مرحلة لاحقة سميت بمرحلة "الحل النهائي"، والتي كان يفترض أن تنجز خلال 5 سنوات، أي بحلول العام 1998، وكانت القدس على رأس هذه القضايا المؤجلة.

 بعد تأجيل مستمر لما هو مؤجل، كان لا بد للطرفين أن يواجها الحقائق ويصلا إلى لب الصراع، فإما أن يتم التفاهم وتثبت إمكانية حل الصراع بطريقة سلمية، وإما أن يعودا للمربع الأول.

في 12 تموز/يوليو 2000 فرّغ الرئيس الأمريكي بل كلينتون نفسه لرعاية مفاوضات ماراثونية بين الطرفين، واستخدم مع وزيرة خارجيته مادلين أولبرايت كل النفوذ والضغط الممكنين، واستمرت المفاوضات على مدى أسبوعين، ورغم عدم توفر الأرضية السياسية الداخلية التي تسمح لحكومة إيهود باراك بتبني أي قرارت مصيرية حينها، طُرحت في هذه المفاوضات وجهات نظر يمكن التوافق على أساسها في بعض القضايا، لكن الخلاف على القدس، وعلى المسجد الأقصى تحديداً فرض العودة إلى المربع الأول، إذ كان (الإسرائيليون) يُصرّون على السيادة إما على المسجد كاملاً، أو تقاسم السيادة على المسجد، أو السيادة على ما سمي بـ"المجال المقدّس" تحت كامل مساحة المسجد، فيما السيادة للفلسطينيين على أعلى المسجد، فيما أصر الطرف الفلسطيني على السيادة على كامل المسجد مع استعداد للتنازل عن السيادة على حائط البراق (حائط المبكى) وحارة المغاربة التي تقوم عليها ساحته.

 آريئيل شارون، زعيم المعارضة في حينها، مستقرئاً الفشل الواضح للتسوية وخطورة ما طرح فيها من تنازلات على "الحق" الصهيوني من وجهة نظره، توجه لزيارة المسجد الأقصى في 28 أيلول 2000 فكانت زيارته الحدث الذي أشعل المنطقة، وأطلق جولة من أشرس جولات الصراع مع المشروع الصهيوني، والسيادة على المسجد الأقصى كانت العنوان الذي انطلقت منه الزيارة والانتفاضة. حاول شارون من خلال زيارته تثبيت "حق اليهود المقدس" في المدينة والمسجد تحديداً، واتخذ من الإصرار على هذا "الحق" منصة إطلاق لبرنامجه السياسي الذي انتهى به إلى رئاسة الوزراء. رداً على الزيارة اشتعلت انتفاضة الأقصى، وبدت المعركة منذ بدايتها أنها معركة كسر عظم لإجبار الفلسطينيين على التسليم بهذا "الحق" وما يستتبعه.

على أعتاب نهاية ولايته الثانية، حاول الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تحقيق اختراق أخير بعد الفشل المدوي لكامب ديفيد، فقدم في 23 كانون أول 2000 مبادرة عرفت بـ "مشروع كلينتون" تحدث جزء أساس منه حول تسوية أمر السيادة على المسجد الأقصى فطرح حلاً بالنسبة للمسجد الأقصى يضمن رقابة فعلية للفلسطينيين على المسجد، مع احترام معتقدات اليهود، وقدم اقتراحين لتحقيق هذا الحل: الأول كان سيادة فلسطينية على المسجد، وسيادة (إسرائيلية) على حائط البراق وعلى "المجال المقدس" أي المسطح السفلي للمسجد. والثاني كان سيادة فلسطينية على المسجد وسيادة (إسرائيلية) على حائط البراق، وتقاسم السيادة على مسألة الحفريات تحت الحرم وخلف حائط المبكى.

رفض باراك سيادة الفلسطينيين على المسجد الأقصى، ورفض الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تقاسم السيادة داخل المسجد أو على أي جزء منه، وهكذا أصبح جلياً أن قضية المسجد الأقصى ليس فيها مكان للحلول الوسط لدى الطرفين.

بعد استلام شارون للحكومة في العام 2001 تغيرت الرؤية (الإسرائيلية) للحسم الاستراتيجي للصراع جملة وتفصيلاً، وتصاعد الاتجاه إلى بلورة حل أحادي كما تراه الدولة العبرية لهذا الصراع، وفرض هذا الحل من خلال خلق الطرف الأقوى للحقائق المطلوبة على الأرض، فظهرت للواجهة خلال العام 2002 فكرة الانفصال عن الفلسطينيين، وعزل العمق الديمغرافي الفلسطيني واقتطاع المطلوب من الأراضي لاستثمارها، وكان جدار الفصل العنصري هو الأداة، وأخيراً طُرحت خطة الفصل بشكلها الناضج، فتم الانسحاب من غزة في شهر آب أغسطس 2005، وشكل رئيس الوزراء شارون حزباً جديداً على أساس هذه الخطة التفصيلية للحل النهائي فقلب الموازين في المشهد السياسي (الإسرائيلي)، لكن القدر شاء أن يُغيبه عن الأحداث في شهر 1-2006 قبل أن يقوم بأي خطوة عملية في مغامرته الجديدة، ليتسلم الدفة من بعده إيهود أولمرت، الذي شغل سابقاً منصب رئيس بلدية القدس لعشر سنوات متتالية.

هذا التطور الهام عنى أن (الإسرائيليين) لم يعودوا معنيين بتغيير بطيء للوقائع في القدس للحصول على موقع تفاوضي أفضل في مفاوضات الحل النهائي كما كان الوضع قبل العام 2000، بل أصبحوا معنيين بإتمام كل الخطوات التي تحقق لهم الأغلبية والسيطرة المعلنة على كل ما يرونه حقاً لهم، وأن رؤيتهم للحل النهائي ستفرض على القدس والمسجد الأقصى كما فرضت في مسار الجدار والانسحاب الأحادي من غزة. فأخذ السعي للتملك والسيطرة والاستيلاء في القدس يتكثف، وأخذ الجدار شكلاً يعيد رسم المدينة وفق الرؤية (الإسرائيلية) التي تخرج أكبر عدد من السكان الفلسطينيين وتحتفظ بأراضيهم داخلها، وتضم أكبر عدد من السكان اليهود في محيط المدينة. أما فيما يتعلق بالمسجد الأقصى، فقد اتخذت المحكمة (الإسرائيلية) العليا في 23-6-2003 قراراً يسمح لليهود بزيارته والصلاة فيه ويعتبر ذلك حقاً لهم، ومنذ ذلك الحين دخل المسجد آلاف اليهود فرادى أو في جماعات صغيرة وأدّوا طقوساً فيه، بل إن بعض التقديرات تقول إنه كان بعشرات الآلاف.

العام 2005 كان عاماً حاسماً للقدس والمسجد الأقصى بكل المقاييس، وبدا الاتجاه خلاله واضحاً تماماً: خلق كل ما من شأنه تحقيق سيطرة (إسرائيلية) أمنية وبلدية كاملة على المسجد الأقصى بحلول تاريخ تطبيق خطة الانفصال، وتثبيت حق اليهود في أداء الطقوس الجماعية، وصولاً إلى وضع يُحوّله إلى مكان عبادة مشترك لليهود والمسلمين، وعملت المؤسسة (الإسرائيلية) والجماعات اليهودية المتطرفة بشكل متكامل ومتناغم لتحقيق هذه الغاية. وبكل وضوح نقول لكل من يسمع، أن العام 2005 وما مر من العام 2006 كانت فترة تمهيد لفرض حل كنا سنراه قريباً جداً يقسم بموجبه المسجد بين اليهود والمسلمين، وتتولى سلطة الاحتلال تحقيق هذه الصيغة والحفاظ عليها، وقد حُملت هذه الصيغة إلى الإدارة الأمريكية في 10-4-2005 ضمن خطة الفصل الشاملة التي عرضت على الرئيس الأمريكي خلال تلك الزيارة تمهيداً للانسحاب الأحادي من قطاع غزة، لكن لم يتم إعلان أية تفاصيل عنها عقب اللقاء.

الحرب (الإسرائيلية) على لبنان التي بدأت في 12-7-2006 شكّلت على أي حال منحنىً استراتيجياً أخَّرَ بكل تأكيد فَرضَ هذه الصيغة، وقوَّض دعائم خطة الفصل التي طرحها رئيس الوزراء إيهود أولمرت في بداية ولايته، لأنها مع التطورات التي سبقتها في غزة سحبت أي شرعية منطقية أو عملية لفكرة الانسحاب الأحادي، وفرضت على المستوى السياسي (الإسرائيلي) أن يبحث عن رؤية استراتيجية بديلة لحسم الصراع ستشكل التحدي الأبرز للساسة الصهاينة في المرحلة المقبلة.

الاحتمال الأكبر على أي حال أن هذا التشخيص سيستثني المسجد الأقصى والقدس، لأن مسألة السيطرة عليهما والحق فيهما هي مسألة اتفاق لدى كل أطياف السياسة الصهيونية، وبالتالي ستعود الخطوات العملية لإنجاز السيطرة على القدس والمسجد الأقصى في شكلها النهائي المقبول (إسرائيلياً) كحل دائم إلى الواجهة بمجرد مرور سُحُب تداعيات الحرب على لبنان، وسنكون أمام الاستحقاق مرة أخرى: تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود.

هذا التقرير يرصد كل الأحداث الأساسية والاعتداءات والتصريحات العدائية تجاه المسجد الأقصى خلال فترة 20 شهراً، وتبرز فيه بوضوح دلائل القراءة التي أسلفنا من خلال خطين متوازيين:

الخط الأول: عمل الأجهزة الرسمية (الإسرائيلية) على تحقيق السيطرة على المسجد الأقصى بكل شكلٍ ممكن، أهمها كان:

  1. خلق "مجال أمني إليكتروني" في الأقصى ومحيطه من خلال خطة متكاملة تشمل تركيب كاميرات مراقبة وأجهزة رؤية ليلية واستشعار في الأقصى ومحيطه، وتشكيل وحدة نخبة تختص بـ"حماية" المسجد.

  2. محاولة تولي المسؤولية عن أعمال الإعمار والترميم داخل المسجد بعد أن كانت منوطة حصراً بالأوقاف الإسلامية كما تقتضي اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات الأمم المتحدة، من خلال استمرار منع الأوقاف من القيام بأعمال الترميم مع تكثيف التصريحات عن وجود أجزاء آيلة للسقوط من جدار المسجد ورصد ميزانيات لإصلاحها وترميمها.

  3. التمهيد لوصل باب المغاربة غربي المسجد بساحة البراق (المبكى) حيث يؤدي اليهود طقوسهم الدينية، من خلال إنشاء جسر بينهما بعد انهيار الجسر القديم الذي يصل باب المغاربة في المسجد بباب المغاربة في سور المدينة خلال عاصفة ثلجية في 15-2-2004 نتيجة الحفريات تحته ومنع إسناده أو ترميمه.

  4. افتتاح مواقع زيارة للجمهور في الأنفاق أسفل المسجد الأقصى بإشراف الحكومة ولأول مرة منذ احتلال المسجد، وبرعاية رئيس الدولة موشيه كتساف شخصياً. 

  5. استمرار منع أهل قطاع غزة من دخول المسجد الأقصى بشكل قطعي، ومنع أهل الضفة الغربية من دخوله إلا بتصريح خاص، ومنع كل من هو دون الـ45 من سكان القدس من دخوله في صلوات الجمع وفترات "التوتر" التي تشمل محاولات الاقتحام، وتكثيف هذه الإجراءات وتشديدها، مما يقلل فرص التواجد الإسلامي داخل المسجد.

 الخط الثاني: عمل المنظمات الاستيطانية على تثبيت "الحق" اليهودي في الصلاة وإقامة الطقوس الجماعية داخل المسجد:

  1. ولتحقيق هذه الغاية أعلنت المنظمات اليهودية المتطرفة، وعلى رأسها جماعتا "رفافاه" و"أمناء جبل الهيكل" عن محاولات اقتحام متكررة على رأس كل شهر يهودي لإقامة صلاة داخل المسجد، واستنفرت الأجهزة الأمنية (الإسرائيلية) لمنع هذه الاقتحامات خوفاً من صدامات، خصوصاً خلال فترة الانسحاب من غزة، فعملت على منع اليهود والمسلمين على السواء من الوصول للمسجد، وتشكل نتيجة لهذا "رأي عام" (إسرائيلي) ضاغط لحسم مسألة حق اليهود في المسجد الأقصى، أو "جبل الهيكل" كما يسمونه.

  2. تنفيذ اقتحامات جماعية بأعداد محدودة في أوقات غير الأوقات المعلنة على أمل تحقيق اختراقات في "غفلة" من المصلين المسلمين، خصوصاً وأن مساحة المسجد شاسعة، وأبوابه متعددة، فيما أعداد حراس المسجد المسلمين وعتادهم لا يسمح بمراقبته على مدار الساعة بالشكل اللازم. وساهم وجود المصلين في مختلف الفترات في صد بعض هذه المحاولات، خصوصاً وأن مؤسسة الأقصى لرعاية المقدسات الناشطة في الأراضي المحتلة عام 1948 عملت على تكثيف تواجد المصلين من هذه المناطق الذين يملكون حرية حركة تمكنهم من دخول المسجد والتواجد فيه.

لقد عملت هذه المحاولات كبالونات اختبار لرد الفعل الفلسطيني وإمكانية استيعابه، ورد الفعل العربي والإسلامي والدولي، كما تسببت في استنفار الجماهير الفلسطينية بشكل دائم لهذه القضية على أمل أن تصل إلى إرهاقها.

 

ثانياً: التطورات والاعتداءات:

1- أعمال المؤسسة الرسمية (الإسرائيلية):

بثت الأجهزة الأمنية للاحتلال منذ بداية العام 2005 أخباراً وتقديرات حول احتمال تعرض المسجد الأقصى لاعتداءات خطيرة من قبل متطرفين يهود وخصوصاً خلال فترة الانسحاب من غزة، واستخدمت هذا التراكم الإعلامي من التهويل والتخويف لتتقدم للحكومة في 23-2-2005 بطلب تمويل خطة أمنية متكاملة ظاهرها "حماية المسجد الأقصى" وباطنها خلق "مجال أمني" في المسجد ومحيطه يسمح بمراقبته ورصد تحركات كل من فيه بشكل محكم، وهذا ما كان، فنشرت في 4-4-2005 تفاصيل الخطة القائمة على استحداث "جدار إليكتروني" غير مرئي لمراقبة الأقصى وزواره، وباشرت في 8-5-2005 بتنفيذ الخطة ليعلن في 19-6 -2005 اكتمال المرحلة الأولى منها بتركيب شبكة كاميرات رقمية مزودة بأشعة تحت حمراء للرؤية الليلية ومجسات حرارية وأجهزة رصد إليكروني شملت أبواب المسجد وساحاته ومختلف معالمه، لتشرع في 6-9-2005 بإنشاء سياج إليكتروني مماثل على امتداد أسواره.

في 19-6-2005 أعلنت سلطات الاحتلال عن تشكيل "وحدة النخبة" لـ "حماية المسجد الأقصى" من أي متطرفين يهود، وتعمل هذه الوحدة ضمن ذات الخطة الأمنية على تمشيط المسجد الأقصى والمصلى المرواني وقبة الصخرة ومكاتب الوقف الإسلامي والمدارس والمباني في محيط المسجد، وفي 9-11-2005 اقتحم 35 فرداً من هذه الوحدة المسجد من باب المغاربة وجالوا في أجزاء المسجد كلها والتقطوا صوراً فوتوغرافية ولقطات فيديو مفصلة، وكأنما يجرون تدريباً ميدانياً يحاكي طبيعة مهماتهم المستقبلية.

بموازاة ذلك اعتقلت الشرطة (الإسرائيلية) في 7-4-2005 عدداً من المتطرفين اليهود اتضح أن عددهم 9 وأنهم خططوا لتنفيذ اعتداءات ضد المسجد الأقصى وقبة الصخرة بواسطة صواريخ لاو وبواسطة طائرة دون طيار محملة بالمتفجرات، لكنها عادت لتفرج عنهم في 16-5-2005 بدعوى أنهم لم ينفذوا ما خططوا له. هذه الترتيبات الأمنية بتفاصيلها التي أوردنا هي بكل وضوح ترتيبات جهاز أمني يعمل للإعداد لحماية مستوطنيه عند دخولهم للمسجد، وليس لحماية المصلين منهم، فلو كان الأمر كذلك لكان الأجدى تركيب كاميرات المراقبة في الحي اليهودي وتقييد حركة المتطرفين اليهود لا الفلسطينيين، ولما كانت التدريبات الميدانية تتعلق باقتحام المسجد ومختلف معالمه الإسلامية، ولما تم الإفراج عن خلية خططت لعمل إرهابي من وزن تدمير المسجد الأقصى. إننا بوضوح أمام دولة قررت، وطلبت من أجهزتها التنفيذية الإعداد للتطبيق، وهذه الترتيبات الأمنية هي جزء من الإعداد للتحكم المطلق بحركة الدخول للمسجد ومراقبة كل التحركات داخله، مع إمكان التدخل السريع للفصل في أي اشتباكات أو لإنقاذ محتجزين أو اختطاف أفراد من داخل المسجد.

بعيداً عن الترتيبات الأمنية، وبعد سنوات من الإعداد، افتتحت السلطات (الإسرائيلية) في 28-9-2005 موقعاً سياحياً في الأنفاق تحت المسجد الأقصى أسمته "أنت في سلسلة التاريخ" خصصته لسرد حكاية "الشعب اليهودي"، وهذه هي