|
لم تكد تمر شهور قليلة على استلام
نواب ووزراء حركة "حماس" مناصبهم في
الحكومة التي تم تشكيلها فور فوز
الحركة في الانتخابات التشريعية مطلع
العام الماضي، حتى وجدوا أنفسهم في
زنازين الاعتقال، وفي غرف التحقيقات،
وتحت سياط التعذيب، كان آخرهم وزير
التربية والتعليم ناصر الدين الشاعر،
والنائب الشيخ حامد البيتاوي اللذين
اعتقلا قبل حوالي أسبوعين من مدينة
نابلس.
ومن هؤلاء، نواب مدينة القدس الخمسة
ووزيرها السابق الذين اعتقل أغلبهم في
أواخر حزيران من العام المنصرم،
والذين يتسم وضعهم بحساسية أكبر
لكونهم مواطنين يحملون هويات
إسرائيلية، وفي ذات الوقت يمثلون
المقدسيين في المجلس التشريعي
الفلسطيني.
اعتقـال أبــو عـرفــة
زوجة المهندس خالد أبو عرفة، وزير
شؤون القدس في الحكومة السابقة،
السيدة ميرفت أبو غربية "أم محمد"
تتذكر تفاصيل اعتقاله الذي كان فجر
يوم التاسع والعشرين من شهر حزيران
(يونيو) 2006 قائلة: "تمت مداهمة
البيت حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف
الليل، تم خلالها إغلاق الشوارع
المحيطة ببيتنا، ودخل حوالي 15 جندياً
إلى البيت منتشرين في أنحائه، وقاموا
بتفتيشه، خاصة غرفة النوم، والحقيبة
الخاصة بزوجي، كما قاموا بتفتيش
سيارته، وسيارة كل من حولنا من
الأقارب والجيران".
وأضافت بأنه ومنذ بداية اعتقاله قضى
حوالي ثلاثة أشهر ونصف في زنزانة
انفرادية، دون السماح لأهله بزيارته،
وأشارت بأن صحته كانت متدهورة ذلك
الوقت، خاصة مع حلول شهر رمضان، حيث
كان يعاني وقتها من آلام عدة منها وجع
في الظهر، ودوخة تصيبه، "حتى كأنني
عندما كنتُ أراه في المحاكمات كنتُ
أشعر وكأنه مثل "الشبح" لتدهور صحته
وأراه يجر نفسه جراً".
وعند سؤالها عن الحكومة الجديدة
وموضوع القدس في أجندتها أجابت قائلة:
"القدس مقيدة، وحتى وجود وزير لها لم
يكن كافياً بالمستوى المطلوب، ذلك
بسبب المضايقات وأوامر المنع التي
تحاصر المقدسيين في كل مكان، وكيف
يمكن أن يعمل أي وزير بحرية ويفيد
الناس بالشكل المطلوب وهو ملاحق،
فمثلاً خلال فترة الثلاثة شهور التي
استلم فيها زوجي مهامه، قبل سجنه،
كانت دوريات الجيش والشرطة دوماً
بانتظاره في طريقه، تعرقل تحركاته
وتقوم بتفتيش دقيق له، حتى يمكنني أن
أقول إن مكتب وزارة القدس لم يكن أكثر
من مكتب شكاوى".
أمـانـة كبيـرة
أما عن المهمة التي تولاها زوجها في
الحكومة السابقة تقول السيدة أم محمد:
"لم أكن سعيدة مطلقاً بتولي زوجي مثل
هذا المنصب، فقد علمتُ حينها أنه لن
يكون متفرغاً لبيته وأولاده، فبمجرد
توليه وزارة ما، ستصبح في عنقه أمانة
كبيرة، ومصالح للناس، لذلك جهّزت نفسي
للتأقلم مع غيابه عن البيت، حتى أنني
جهزت نفسي كذلك لاحتمال اعتقاله، وفي
لحظات كثيرة كنت أتمنى لو أنني أملك
وقتاً كافياً لأسانده وأساعده في
مهمته ولأشاركه في تقديم الجهد لصالح
الشعب، ولكن وجود الأبناء طبعاً يمنع
ذلك فهم مسؤوليتي الأولى في ظل
انشغاله، وأنا بدوري أرى واجب كل
امرأة أن تساند زوجها وأن يكون لها
دور ما في هذه الحياة، ولو لم يكن
زوجها ذا منصب رفيع، فلا بديل عن
الصبر والثبات في هذه الأرض".
ورغم كل المعاناة، تقول السيدة أم
محمد إن الوزير ما زال متفائلاً: "ما
زال زوجي متفائلاً بحصول تغيير على
الساحة الفلسطينية لصالح الشعب
الفلسطيني، وهو يوصي شعبه بالصبر
والثبات والوحدة والتلاحم، وأعتقد أن
بشائر الخير والنصر لن تغيب عنا بإذن
الله".
الاحتــلال وعـرقلـة العمـل
أما على صعيد النواب، فقد بقيت القدس
دون من ينوب عنها في جلسات المجلس
التشريعي، فقد اعتقل نواب القدس
جميعهم، وهم النائب محمد أبو طير،
والنائب إبراهيم أبو سالم، والنائب
وائل الحسيني، والنائب محمد طوطح،
والنائب أحمد عطون.
النائب الأسير أحمد عطون الذي أنهى
تعليمه في جامعة القدس تخصص دراسات
إسلامية، والذي لولا اعتقاله لكان
الآن قد أنهى دراسته العليا وحصل على
درجة الماجستير، التقينا بزوجته
السيدة نسرين دويات الأم لثلاثة أولاد
وبنت واحدة، والتي أجابت عن سؤالنا:
"ما تعليقك على نجاح زوجك في
الانتخابات؟" قائلة: "أرى أن سبب نجاح
كل النواب، وليس فقط زوجي، هو نزاهتهم
وحب الناس لهم والفكرة التي يحملونها،
وفي ذات الوقت لقد كان هذا النجاح
مفاجأة لنا، لم نكن نتوقعها، حين أعلن
هذا النجاح كنا على يقين أن سلطات
الاحتلال ستعرقل عملهم، ولن تدعهم في
حال سبيلهم".
أما عن أملها في خروج زوجها في صفقة
تبادل للأسرى، قالت لنا "لا نتوقع أن
تتضمن قائمة المبادلة في أي صفقة
أسماء الوزراء والنواب، ذلك لأنهم جزء
من حكومة منتخبة، ولم يعتقلوا وتوجه
لهم تهم واضحة حتى تتم معاملتهم كأسرى
وتتم مبادلتهم، بل هم نواب مخطوفون
حسب رأيي". أما والدة النائب عطون
السيدة أم أحمد فقالت: "أرى أنه من
الأولى أن يخرج في هذه الصفقة أصحاب
الأحكام الطويلة والمؤبدات، وشخصياً
لو خيروني بين ابني محمود المسجون منذ
13 عاماً والمحكوم بـ 430 مؤبداً
بتهمة قتل واختطاف جنود وبين ابني
النائب أحمد، لاخترت الأول".
وعن شعورها وابنيها أسيرين في سجون
الاحتلال تقول السيدة أم محمد:
"الشعور شعور مؤلم بالطبع كشعور أي أم
في هذا الوضع، فأنا دائما أترقب أي
خبر يأتيني عنهما، ولكن يبقى المرء
يردد الحمد لله رب العالمين، فأنا
أفتخر وأعتز بهما".
الـزيـارة في السجن
أما عن زيارات الأسرى في أماكن
اعتقالهم، فهي الرحلة الشاقة بالنسبة
لذويهم، لما يتخللها من مصاعب
ومضايقات من قبل السلطات الإسرائيلية
التي تصب في نهايته في طريق واحد هدفه
الإذلال. تقول زوجة النائب عطون:
"أصعب تجربة في زيارة الأسرى هي تجربة
الأولاد، فرغم صغرهم يفهمون ويدركون
كل ما يدور حولهم، خاصة ابني الصغير
محمود الذي يبلغ فقط 4 سنوات، فهو
متعلق جداً بأبيه ولا يستوعب أن أباه
غير موجود، حتى إن قام أحد من العائلة
باستعمال سيارة والده ينزعج ويحاول
منعه".
وتضيف حول زياراتها لزوجها وهو في
الأسر: "أول مرة زرناه كان الأولاد
يبكون ووالدهم كذلك بكى معهم حتى أن
باقي أهالي الأسرى أصبحوا يبكون معهم،
وأذكر مرة دخل ابني محمود عليه وتمسك
به حتى جاءت الشرطة لتفرقهم بالقوة،
وابني يبكي ويقول لوالده: "هيا يا أبي
لتذهب معنا إلى البيت!"، كان ذلك أصعب
موقف مررنا به".
وفي النهاية، كان لنا هذا اللقاء
بحضرة زوجة النائب المقدسي محمد طوطح،
الذي أنهى دراسته في إدارة الأعمال من
جامعة شرق البحر المتوسط في قبرص،
وحصل بعدها على الماجستير من جامعة
القدس وكان محاضراً فيها كذلك،
وتحدثنا زوجته "أم معاذ" عن حادثة
الاعتقال قائلة: "تم اختطاف زوجي
كباقي النواب ولكن بعد 6 أشهر، حيث
إنه كان مشاركاً في مؤتمرات عدة خارج
البلاد، وبعد 6 أشهر قرر الرجوع،
فكانت سلطات الاحتلال بانتظاره على
الجهة الإسرائيلية من جسر الأردن يوم
التاسع والعشرين من كانون الثاني هذا
العام، فبمجرد وصوله تم اعتقاله وسحب
هويته".
السيدة أم معاذ والتي تعمل في مدرسة
الفرقان الإسلامية قالت لنا: "وسط
الحديث عن صفقة تبادل الأسرى لا أشعر
بتفاؤل كبير حيال خروج زوجي من السجن،
وتضمنه في قائمة المبادلة، ولا يبقى
لنا إلا أن نصبر".
سـحـب الهـويـات
وعن قضية سحب الهويات الإسرائيلية من
النواب المقدسيين فقد أوضح المحامي
فادي القواسمي، عضو هيئة الدفاع عن
النواب والوزراء المعتقلين، أنه تم
سحب هويات النواب المقدسيين الثلاثة
الذين يحملون الهوية الإسرائيلية، وهم
النائب محمد أبو طير، النائب محمد
طوطح، النائب أحمد عطون، إضافة إلى
وزير شؤون القدس السابق خالد أبو
عرفة، وذلك بادعاء أن عضويتهم في
المجلس التشريعي هي خرق لولائهم لدولة
(إسرائيل).
وعن الخطوات القضائية تجاه هذا الأمر
قال القواسمي: "قمنا بتقديم التماس
لمحكمة العدل الإسرائيلية ضد قرار
إلغاء المواطنة عنهم، على أساس أنه
مناف لاتفاقية جنيف الرابعة والقوانين
الدولية، ولا يوجد صلاحية لوزير
الداخلية الإسرائيلي أن يصدر قراراً
كهذا، وكان مما أثار غضب ممثلي دولة
(إسرائيل) في المحكمة انضمام مؤسستي
حقوق إنسان إسرائيليتين إلينا في
الدفاع عن النواب وهما مركز عدالة
لحقوق المواطنين العرب في (إسرائيل)،
وجمعية حقوق المواطن، وكان الانتقاد
الموجه لهما شديداً وبادعاء أن النواب
الذين يناصرونهم هم أعضاء في منظمة
إرهابية ولهم ضلع في مقتل العشرات من
الإسرائيليين".
وعن تطورات القضية أضاف القواسمي:
"لقد تم عقد جلسة واحدة حتى الآن ولم
يتم تحديد جلسة أخرى للبت في هذا
الأمر، والحقيقة أن هذه القضية قضية
خطيرة جدا والمتوقع أن يكون لنتائجها
تأثير كبير على مستوى المقدسيين حيث
إنه في حالة صادقت المحكمة على هذا
القرار فإنه سيتم تطبيق قرار مشابه مع
كل من يثبت تورطه في قضايا أمنية وهذا
أسلوب جديد سوف يتبعه الاحتلال من أجل
تفريغ القدس من أهلها الشرعيين.
وللأسف لا يدرك أحد، خاصة الجهات
المختصة في هكذا أمور، خطورة هذا
الموضوع، حيث باعتقادي يجب محاربة هذا
القرار على مستوى المحافل القانونية
والسياسية وحتى الدولية منها".
وهكذا لا يبقى لعائلات النواب
المقدسيين وبعد عام من اعتقالهم إلا
أن يتسلحوا بالصبر والثبات، خاصة أنهم
ليسوا بمنأى عن قرار سحب الهويات، حيث
لم توافق وزارة الداخلية الإسرائيلية
حتى الآن على منح الابن الأكبر للوزير
خالد أبو عرفة الهوية الإسرائيلية على
رغم بلوغه السن القانونية في مؤشر
يثير قلق هذه العائلات، ولا يبقى لهم
إلا الصبر والثبات سلاحاً. |