المقالات

 
 

عودة لصفحة المقالات

 
 

البعد الديني لوعد بلفور

بقلم‏:‏ محمد السماك
كاتب لبناني

في عام‏1880‏ تبني الأسقف الإننجليكاني في فيينا وليم هشلر النظرية التي تقول إن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي‏,‏ وإن العمل علي تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية‏.‏
هناك في فيينا تعرف هشلر علي تيودور هرتزل وعلي مشروعه‏,‏ واستطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القيصر الألماني ومع السلطان العثماني‏,‏ ذلك لمساعدته علي إقامة وطن يهودي في فلسطين‏.‏ وبرغم أن تلك اللقاءات باءت بالفشل‏,‏ فإن هشلر لم ييأس‏.‏ فقد انتقل إلي بريطانيا حيث رتب في عام‏1905‏ لقاء لهرتزل مع آرثر بلفور‏.‏

ومن هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني‏.‏ كان لويد جورج رئيس الحكومة أكثر شغفا بالمشروع الصهيوني وأشد حماسة له من بلفور‏.‏ فكان الوعد الذي صدر في الثاني من نوفمبر‏1917‏ بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين‏.‏
‏*‏ ذكر لويد جورج في كتابين له هما‏:‏ حقيقة معاهدات السلام وذكريات الحرب أن حاييم وايزمن الكيميائي الذي قدم خدماته العلمية لبريطانيا في الحرب العالمية الأولي هو الذي فتح له عينيه علي الصهيونية‏,‏ حتي أصبح أكثر صهيونية من وايزمن نفسه‏.‏

وهكذا عندما تشكلت الحكومة البريطانية من لويد جورج رئيسا ومن آرثر بلفور وزيرا للخارجية‏,,‏ بدا وكأن كل شيء بات مؤهلا لتمرير الوعد‏.‏

ولكن ماذا عن الفلسطينيين؟
في عام‏1952‏ نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية عن فترة‏1919‏ ـ‏1939,‏ بما فيها تلك التي تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين‏..‏ ويتضمن المجلد الرابع من المجموعة الأولي‏,‏ في الصفحة السابعة نقلا عن مذكرة وضعها آرثر بلفور في عام‏1917‏ ما يأتي‏:‏
ليس في نيتنا حتي مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين‏,‏ مع أن اللجنة الأمريكية تحاول استقصاءها‏.‏ إن القوي الأربع الكبري ملتزمة بالصهيونية‏.‏ وسواء أكانت الصهيونية علي حق أم علي باطل‏,‏ جيدة أم سيئة‏,‏ فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد وفي الحاجات الحالية وفي آمال المستقبل‏,‏ وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة‏.‏

كان بلفور من المؤمنين بأن التاريخ ليس سوي أداة لتنفيذ الهدف الإلهي‏.‏ وأن الإنسان مكلف بالعمل علي تنفيذ هذا الهدف‏,‏ وأن أول ما يتطلبه منه ذلك الإيمان أولا بأن ثمة هدفا إلهيا‏,‏ وثانيا بإمكانية تحقيق هذا الهدف أيا تكن الصعوبات‏.‏
ولذلك فإن بلفور عندما صاغ الوعد بمنح اليهود وطنا في فلسطين‏,‏ كان يعتقد أنه بذلك يحقق إرادة الله‏,‏ وأنه يوفر الشروط المسبقة للعودة الثانية للمسيح‏,‏ وأنه بالتالي‏,‏ من خلال مساعدة اليهود علي العودة‏,‏ فإنه يؤدي وظيفة العامل علي تحقيق هدف إلهي‏.‏

طبعا لم يكن العامل الديني السبب الوحيد وراء إصدار الوعد‏.‏ كانت هناك مصالح لبريطانيا ذات بعد استراتيجي‏.‏ وقد توافق العمل علي خدمة هذه المصالح ورعايتها مع هذا الإيمان الديني‏,‏ مما أدي إلي الالتزام بالوعد وبتنفيذه‏.‏ ففي الأساس كانت بريطانيا قلقة من جراء هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد في بلادهم‏.‏ وفي عام‏1902‏ تشكلت اللجنة الملكية لهجرة الغرباء‏.‏
استدعي هرتزل إلي لندن بترتيب من القس هشلر للإدلاء بشهادته أمام اللجنة فقدم مطالعة قال فيها‏:‏

لاشيء يحل المشكلة التي دعيت اللجنة لبحثها وتقديم الرأي بشأنها سوي تحويل تيار الهجرة الذي سيستمر بقوة متزايدة من أوروبا الشرقية‏.‏ إن يهود أوروبا الشرقية لا يستطيعون أن يبقوا حيث هم فأين يذهبون؟ إذا كنتم ترون أن بقاءهم هنا ـ أي في بريطانيا ـ غير مرغوب فيه‏,‏ فلابد من إيجاد مكان آخر يهاجرون إليه دون أن تثير هجرتهم المشاكل التي تواجههم هنا‏.‏ لن تبرز هذه المشاكل إذا وجد وطن لهم يتم الاعتراف به قانونيا وطنا يهوديا‏.‏
هنا كان لابد بعد صدور قانون بوقف الهجرة في عام‏1905‏ من تأمين ملجأ بديل‏,‏ فكان قرار بلفور بمنح فلسطين وطنا لليهود ليعطي من لا يملك إلي من لا يستحق‏