|
قديمًا هبّت الرّيحُ
من تلقاءِ مدرَسةٍ تحملُ في طيّاتها
مما لامست وجنتاها من عبيرِ المجدِ
ففاحت مجدًا، وتناثرت عَبَقًا
وتقاطَرت بَرَدًَا، ووَشوشت عَلََنًا:
لم يجد الحلوَ حلوًا من وَجَدَ
الشَهْدَ مُرًّا... ولم يذُق وَغزَ
الشّوكِ من وجَدَ الوردَ شوكًا... ولن
يعيش آلامَ الأقصى من وجَدَ القيدَ
نَصرًا... لم ينتمِ لآلام أُمّته من
رأى القول عملا... ولن يسكُبَ النّور
قَلمٌ يرى السُّكوتَ حرفًا...
والصّمتَ رفضًا، والخلوةَ ثورة...
إنّ الأُمّةَ الّتي
تصبو إلى مجدٍ تتهاوى دونهُ الأمجاد،
بل تتقاطرُ دونه المُهجُ والأجساد،
لهيَ أُمّةٌ حرِيّةٌ بأن يتسنّم
المجدُ إلى عليائها أو أن تتسنّم هي
من المجد سنامًا، وحَريّةٌ بأن يخطُبَ
العزُّ ودّها لا أنّها أُنثى بل
لأنّها الأَولى... إنّ المُتبصّرَ في
مناط حركة التّاريخِ بأهلِه: هبوطًا
وعُلوًّا يلحظُ أنّ المجدَ لا يعترضُ
الأُمم في متاهات الطّريق فتحتضنُهُ،
وإنّما يعلَمُ أنّه بناءٌ حركيٌّ
وعملٌ تربويٌّ: روحيٌّ وتثقيفيّ يُفضي
بأهلِهِ إليه حتمًا. وإلّا انتفضَت
النّفوسُ الأبيّة فانتزعته قهرًا
وغصبًا...
تمُرُّ الأُممُ على
مدار تاريخِها بآلامٍ وآهاتٍ
وجراحاتٍ؛ يعتَوِرُها الألمُ،
ويقُضُُّ مضجعها الوجعُ؛ وليس ذلك
بعيبٍ فإنّها سُنّةٌ كونيّةٌ بل
حقيقةٌ قُرآنيّةٌ جعلها الذّكرُ
الحكيمُ محلُّا للتّسليّة بل لرفع
الجاهزيّة؛ فقال تعالى (إن تكونوا
تألمونَ فإنّهم يألمونَ كما تألمون)...
وقال في أُخرى تأكيدًا وتعضيدًا، بل
شحذًا وتعزيزًا (إن يمسسكم قرحٌ
فقد مسّ القومَ قرحٌ مثلُه وتلك
الأيّامُ نداولها بين النّاس)...
إنّها سُننُ تداول الرّخاء والبلاء،
وِفقَ إيقاعٍ ربّانيٍّ مضبوطٍ (أم
حسبتُم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتكُم
مثلُ الّذين خلوا من قبلكم مسّتهم
البأساء والضّراء وزلزلوا حتّى يقول
الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر
الله)... إنّ أفراد الأمَّةِ
يكونون مُخطئين إنْ ظنّوا أنَّ
طريقَهم إلى الرُّقيّ والعلوّ يبدأ
بالصّلاة وينتهي بها... إنّها رسالةٌ
ربّانيّةٌ ذاتُ أهدافٍ عالميّةٍ
غائرةٍ في عُمق الوجودِ وضاربةٍ في
عُمقِ التّاريخِ السّحيقِ بل
والمُستقبل الفسيح.
ليس من الغريب أن
تُهزمَ أُمّةٌ إذن، فقد أُخرجَ
الأنبياءُ والصّالحون من أرضهم
وأهليهم وأبنائهم (بغير حقٍّ إلا
أن يقولوا ربُّنا الله)... ولكنّ
الغريب، في هذا السّياق، أن لا تُعِدّ
الأُمّة ليوم الهزيمةِ والتّراجُع
فِقهًا ينهضُ بأبنائها، ويرتقي بمكامن
قدُراتها ومكنوناتها، وما أروع الإمام
الجُوَينيّ الإبن (رحمه الله) وهو
يتنبّه لهذا الأمر فيعمَدُ إلى كتابة
نظريّة فقهيّة (بالمعنى المُتعارف به
لدى فقهاء الشّريعة للفقه) تكون
مُستَعصَمُا ومِعصَمًا للأُمّة في
التياث الظُّلَم... إنّ الأُمّة الّتي
تُحسِنُ قراءةَ فترة العلوّ، وتُعدُّ
لها فقهًا: إن في بُعده الحضاريّ، أو
في بُعده الرّوحيّ أو التثقيفيّ أو
المُعاملاتيّ، حلّا وحُرمةً، وتنسى
زمن التّردي وحالة الانهزام، ولا
تُعدُّ له ما يُناسبُه من فقه تحدٍّ
ومُمانعة؛ لهي أُمّةٌ لا تعي ولا تعرف
معنى المُدافعة والاستخلاف في هذه
الأرض.
إنّ قضيّة الأقصى هي
واحدةٌ من قضايانا الكُبرى الّتي لعبت
دورًا بارزًا في بناء نظريّة جديدةً
لفقه العلُوّ والنّهُوض؛ بَنت ذلك على
أساسٍ متينٍ من تمثُّل القُرآنِ، عبر
قَصصه وهَديِهِ منهجًا، بل من
مُعايشةِ السُّنّةِ وصاحبِها
أنموذَجًا، وأمّا الرّقائقُِ فمثّلت
للرّوحِ مَسلَكًا. إنّ القارئ في
تاريخ جيل صلاح الدّين (رحمه الله)
وفي واقع عُلماء فلسطين الّذين
صَلبّهم عبَدُ الصّليب والطّاغوت على
بوّابات الأقصى... والعُبّاد الّذين
أتقنوا فنّ الانتماء إلى أُمّتهم
والخروج من قوقعتهم، لَيَرى أثَرَ
الغَطّةِ الكُبرى الّتي أصابت
الأُمّة، فوَلَدت أو ولَّدت لوحةً من
المُمانعة العقائديّة وإعادة تشكيل
الهويّة الذّاتيّة عبرَ رسمِ حالة من
الافتقار الجماعيّة لربٍّ يُنادي
كُلَّ فردٍ فيهم (فأنتُم الغالبون)،
(وأنتُم الأعلون)...
إنّ حالةَ الافتقار
الجماعيّة والانكسار الكٌلّيّة الّتي
عاشتها الجماعة المؤمنةُ الأولى من
صحابةِ مُحمّدٍ
r
كادت تبرُد وتبهت على مرور الخلافات
المُتعاقبة: أمويّة، وعباسيّة،
ودويلاتٍ مُتفرّقة وعُثمانيّة، حيثُ
نشأ في الذّهن الجَمَعيّ للفئة
المؤمنةِ شعورٌ أنّها لا تُهزَمُ
أبدًا، ونسيت أو تناست سُنن الله في
أرضه، فكان لا بُدّ من أن تتهاوى كي
تُعيدَ بناء حالة المُمانعة عبر
الفاقَة والافتقار والانكسار بين يدي
الله، والتبرّي من الحول والقوّة إلى
حوله وقوّته، مع ملاحظة الإعداد
المطلوب... (إن ينصُرُكُم الله فلا
غالب لكم)... بل وتعمل على اختزال
حالة الإعجاب بالذّات الماديّة
والنّرجسيّة المُعبّر عنها (ويومَ
حُنين إذ أعجبتكُم كثرتكُم فلم تُغن
عنكم شيئا)... فكان أن حصَلَ ما
حصَلَ..
إنّ المُسلمَ العاقلَ،
هو ذاك المُسلمُ الّذي يعلَمُ أن
مُدبّر الأمور كُلّها هو الله، وأنّ
مردّنا جميعًا إلى الله، وأنّه لا
يعزُبُ عنه مثقال ذرّة، وأنّ له
جنودًا بالليل وآخرين بالنّهار وأنّ
العاقل من علِمَ أنّه بدار ابتلاء
فبادَرَ ولم يتلكأ ولم يتوانَ عند
ساعة التّضحية والفداء، لكِنّ بدارهُ
لم يكُن تهوّرًا بل كان إقبالًا
وتعقُّلا، فصبر وصَابر ورَابط، وألقى
بنفسه تحت ظِلال: (اصبروا وصابروا
ورابطوا) وانتظَرَ النّصرَ
عبادةً، ذلكم رغمَ مُكابدة الكرب،
فإنّ النّصر مع الكرب، و(إنّ مع
العُسرِ يُسرًا... إنّ مع العُسرِ
يُسرًا..)...
وأنا اليوم أقدّمُ هذه
الكلمات ويخُطُّها مدادي بل روحي
لتكون تقديمًا لعملٍ أرجو من الله
تعالى أن يجعله بصمةُ مُتميّزة،
وماركةً فارقة، في السَّوْقِ إلى
مَجدٍ قد حاك بينَه وبين الأُمّة،
منذُ فجرها الأوّل حكاية حُبٍّ
ومعزوفةَ وفاءٍ؛ عرفها وعرفته، وأحبها
وأحبّته وساكَنَها وساكنته... فهنيئا
لكم هذه البصمة، ثًمّ قُدُمًا وإلى
جنّات نصرٍ في أولى وجنّات عدنٍ في
أُخرى. والسّلام.
rehab_alaqsa@hotmail.com |