مقالات

 
 

سلسة من رحاب الأقصى

قبة الصخرة المشرفة.... في دوحة الشعر الحديث

ا.عماد الزغل

8/12/2007

 

عودة لصفحة المقالات

 

 

قبة الصخرة المشرفة من أجمل الآثار التي خلّدها التاريخ الإسلامي، بل الإنساني بوجه عام، حتى لقّبها المؤرخون بـِ "صندوق جواهر الإسلام" لما حوته تحتها من آثار رحلة المعراج العظيمة التي أكسبت المكان صبغته الإسلامية، وقد عُدَّت أعظم عملٍ معماري قام به الأمويون حيث بنيت في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، ولا تزال تستمد عظمتها من كونها أقدم بناء معماري لا زال يحتفظ بكل معالمه المعمارية دون أي نقصان، وفي ذلك يقول فيرغسون "إن بناء قبة الصخرة فاق تاج محل، وإن ما فيه من التناسق والجمال لا نظير له في أي مكان في العالم.

ولقد كانت قبة الصخرة ملهمة الشعراء قديماً وحديثاً، حيث بعثت في نفوسهم قديماً معاني العزة والفخار بهذا المعلم الإسلامي الخالد، وأما في الحديث فقد كانت تبعث الحزن من جانب بوصفها أثراً إسلامياً محتلاً، وتبعث الأمل بوصفها صامدة شامخة على الرغم من كل ما أصابها، وفي هذا يقول الشاعر أبو النصر التميمي في قصيدة "قبة النور" من ديوانه "لفلسطين سلام" يقول:

يا قبة النور كم هِمنا برؤياكِ                  فلا سعادة في الدنيـا كلقيـاكِ

فريدة الكون إنْ عُدَّت عجائبه                 والكون يهتف ما أحلى محيّاك

تشتاق طلعتك المفترّ مبسمها                  وتستطيب شذا إطلالك الزاكي

الشمس أجملُ إذ تأتيك والهةً                  والبدرُ أبهى إذا ما هلّ أعلاك

والحسنُ توأمك الزاهي تلألؤه                 فليس يسعده في الكـونِ إلاكِ

تحتضنينَ كأمٍّ مسجداً نضراً                   تـرنـو لتوأمِهِ بالحبِّ عينـاكِ

جوهرتين بصدر القدس ما برحا              يرعاهما اللهُ من شرٍ ويرعاكِ

ولا سلام بغير القدس نلمحه                  من حاد عن ذا فمغموسٌ بأشراكِ

فالشاعرُ يعتبر القبة المشرفة فريدة الكون التي لا نظير لها، فيجعل منها الحسناء التي يزداد البدر بهاءً بها والشمس جمالاً بالإشراق عليها، وينقلها من جمودها كبناء متميز إلى عذراء جميلة المبسمِ والمحيّا، ويختم قصيدته بأن القدس هي مفتاح السلام فلا سلام بدونها، بل إن من يجحد بذلك فقد غمس بالشرك والعياذ بالله.

وأما الشاعر الراحل الملقّب "بشاعر الأقصى" الدكتور يوسف العظم، فيرسم لقبة الصخرة صورة حزينة إذ يخاطبها ويختزل القدس فيها فيقول:

يا قدسُ يا محرابُ يا منبرُ                     يا نورُ يا إيمان يا عنبرُ

أقدامُ من داست رحاب الهدى                ووجه من في ساحها أغبرُ

وكفُّ من تزرع أرضي وقد                  حنا عليها ساعدي الأسمرُ

من لوّث الصخرة تلك التي                   كانت بمسرى أحمد تفخرُ

وأمطرَ الأرض بأحقاده                       فاحترق اليابسُ والأخضرُ

إنه يفتتح مقطوعته باختزال مكانة القدس في المحراب والمنبر وهما رمز القداسة والتبتّل، ثم جعلها في تشبيه بليغ نوراً وإيماناً وعنبرا، واستنكر ما حل بها من سيطرة وجوه غريبة على ساحاتها،ن فحلّ الخراب بساحتها وبصخرتها بعد أن كانت تستمد بهاءها ورونقها من اعتزازها بمسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولقد جعلها الشاعر "خالد سعيد" صخرة تتحطم عليها كل مؤامرات الكائدين، فلا شيء يكسر صمودها وصلابتها، يقول:

هي صخرة شمّاءُ فوق صمودها  أمواج ظلم الظالمين تكسَّرُ

هل يعرف التاريخُ مثل حثالة                  عجب التتار لظلمها والبربَرُ

مهما طغوا وتجبروا وتآمروا                 فالله من كل الأعادي أكبرُ

وكثيراً ما جعل الشعراء قبة الصخرة حزينةً باكية تذرف دموعها، وفي هذا يقول الشاعر الفلسطيني طارق الصيرفي:

لا يوجد صدرٌ في الدنيا                       يتحمّل همّي أو شجني

الصخرة تبكي والأقصى                      فتعالي قدس ولا تهني

سفن وبحار أجهلها                            فصنعت شراعاً من كفني

وبدأتُ رحيلي في البحر                       لا مرسى فيه، يا سفني

إن ذكر الصخرة المشرفة في قصائد الشعر الحديث جاء ينمُّ عن مشاعر فياضة بحب عميق، جعلت من الصخرة دلالة ينطلق منها الشاعر في سياق شعري مقاوم، تمثل في وحدة الصخرة والمسجد الأقصى والقدس وفلسطين، والدعوة على الثبات والتحرر، ولذلك فإن الشعراء قد مزجوا بين وصف جمالية الصخرة وأناقتها وتاريخها الذي حُفّ بالمصائب، ومستقبلها الموعود بالنصر من الله تعالى، فأتى وصف الصخرة المشرفة حافلاً بالمعاني التاريخية والدينية في آنٍ واحد، تستشعر منه الماضي لتصنع منه الحاضر وتنير به المستقبل.

 

 
عودة لصفحة المقالات