مقالات

 
 

سلسة من رحاب الأقصى

المسجد الأقصى.... قبلة العلماء والصالحين

ا.عماد الزغل

8/12/2007

 

عودة لصفحة المقالات

 

 

منذ أن أحاط الله تبارك وتعالى تلك البقعة المباركة من بيت المقدس بالبركة والطهارة جعل أفئدة الصالحين والأولياء والعلماء تهفو إليه من كل أقطار الدنيا، بدءاً بالأنبياء الذين جعل الله ولادتهم في بيت المقدس، أو جزءاً من حياتهم فيه، كإبراهيم وعيسى ويحيى وزكريا وسليمان وداود وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، ومروراً بالصحابة الكرام والعلماء والأولياء، وانتهاءً بالمرابطين اليوم الذين يُصدون عن الوصول إليه بالحواجز والجُدر وإغلاق السبل المؤدية إليه، ولئن كان إبراهيم عليه السلام قد أذّن في الناس للذهاب إلى المسجد الحرام فقد نادى محمد صلى الله عليه وسلم بالمسلمين أن يهبّوا للرباط فيه، كما جاء في حديث ميمونة رضي الله عنها قالت: (يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "أرض المحشر والمنشر. ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره" قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟ قال: "فتهدي له زيتا يسرج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه").

لقد حرص المسلمون، ومنذ أن أتم على أيديهم الفتح العمري على شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك تلبية لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فيه ونشر الدعوة الإسلامية، حتى أن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام بتكليف بعض الصحابة الذين قدموا معه عند الفتح بالإقامة في بيت المقدس والعمل بالتعليم في المسجد الأقصى المبارك إلى جانب وظائفهم الإدارية التي أقامهم عليها، فكان من هؤلاء الصحابة عبادة بن الصامت (ت 34هـ) أول قاضٍ في فلسطين، وشداد بن أوس (ت 58هـ)، وتوفي هذان الصحابيان في بيت المقدس ودُفنا فيه بمقبرة باب الرحمة الواقعة خارج السور الشرقي للمسجد الأقصى المبارك.

وحمل التابعون رسالة الرباط في رحاب المسجد الأقصى المبارك للتعليم فيه، فكان منهم مقاتل بن سليمان المفسر (ت 150هـ)، والإمام الأوزاعي بن عبد الرحمن بن عمرو فقيه أهل الشام (ت 157هـ) والإمام سفيان الثوري إمام أهل العراق (ت 161هـ) والإمام الليث بن سعد عالم مصر (ت 175هـ) والإمام محمد بن إدريس الشافعي أحد الأئمة الأربعة (ت 204هـ). كما وحرص الزّهاد وشيوخ الصوفية على شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك للصلاة والاعتكاف والتبرك فيه، وذلك في القرنين الثالث والرابع الهجريين ومنهم على سبيل المثال: بكر بن سهل الدمياطي المحدث (ت 289هـ) وأحمد بن يحيى البغدادي الذي قدم إلى القدس وبقي فيها حتى توفاه الله تعالى فيها.

وأما في القرن الخامس الهجري فقد نشطت الحركة العلمية في رحاب المسجد الأقصى المبارك، فقد أصبح معهداً علمياً عالياً لعلوم الفقه والحديث لكثرة ما وفد إليه من علماء المسلمين وأئمتهم للتدريس فيه، وكان أشهرهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الذي قدم إليه في سنة 488هـ، وقد ذكر لنا هذا الإمام أنه وجد في المسجد الأقصى ثلاثمئة وستين مدرساً في المسجد، الأمر الذي يؤكد المكانة الرفيعة التي يتمتع بها المسجد الأقصى في تلك الأيام. ولكن نهاية هذا القرن قد حملت المآسي للمسجد الأقصى المبارك حيث ذُبح فيه أكثر من سبعين ألف مسلم بعد أن عاث الصليبيون فيه فساداً وحولوه إلى كنيس، وبذلك تعطل الدور العلمي لهذا المسجد ما يقرب من قرنٍ من الزمان.

وما أن قام صلاح الدين الأيوبي بتحرير المسجد وتطهيره حتى عادت الحياة العلمية فيه إلى سابق عهدها، بل وأكثر إشراقاً وتوهجاً، حيث عاد العلماء والصالحون على اختلاف طبقاتهم وفئاتهم إلى شد الرحال إليه بالإضافة إلى المدارس الكثيرة التي بناها صلاح الدين ومن تابعه من السلاطين الأيوبيين والمماليك من إحاطة المسجد بالمدارس والأوقاف، الأمر الذي زاد من دور المسجد الأقصى وبيت المقدس العلمي فقد أصبح القبلة العلمية الأولى إلى جانب الجامع الأزهر وغيره من مراكز الحضارة الإسلامية التي كانت تشع نوراً وضياءً على مدن العالم بأسرها. وفي ذلك العصر أقبل العلماء على تأليف الكتب التي ضمّت فضائل المسجد الأقصى المبارك ومنها كتاب "الجامع المستقصى في فضائل المسجد الأقصى" للإمام الحافظ ابن عساكر المتوفى سنة 600هـ، وكتاب "فضائل بيت المقدس" لأبي المعالم المرجى بن إبراهيم المقدسي من علماء القرن الخامس الهجري، وكتاب "باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس" للشيخ برهان الدين الغزاري المتوفى سنة 729هـ، وكتاب "مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام" لشهاب الدين أبي محمود أحمد بن محمد المقدسي المتوفى سنة 765هـ.

وقد بلغ بناء المدارس حول المسجد الأقصى ذروته في العهد المملوكي، حيث عمل المماليك الذين أحبوا القدس حباً عظيماً ممثلين بالسلاطين والأمراء ورجال الدولة على بناء وتعمير المدارس الدينية والأربطة والزوايا في أروقة المسجد الأقصى ورتبوا الوظائف فيها وأوقفوا عليها لتقوم بتمويلها والإنفاق عليها، وهكذا غدا المسجد الأقصى المبارك جامعة إسلامية عظيمة الشأن يقصدها العلماء والعاكفون، وظل المسجد الأقصى يؤدي رسالته العلمية والدينية حتى الفترة العثمانية، حتى أصبح في كل حي من الأحياء المحيطة به رباط لجالية إسلامية من مشارق الأرض ومغاربها.

فهل يشهد القرن الحالي عودة المسجد الأقصى المبارك إلى دوره العلمي الريادي، وهل تعود جامعة بيت المقدس لتصبح المشروع الحضاري الإسلامي القادم في هذه الرحاب الطاهرة، إن ذلك ليس على الله بعزيز، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

rehab_alaqsa@hotmail.com

 

 
  عودة لصفحة المقالات