تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي
في الأسابيع الأخيرة القيام
باستكمال عملية تهويد حدود وفضاء
القدس التي تريدها قبل انعقاد
اجتماع السلام الدولي في نوفمبر
المقبل, وذلك في محاولة لفرض
أمر واقع إسرائيلي على مائدة
المفاوضات حول ملف القدس الذي
أغلقه شارون منذ ست سنوات عجاف,
أي منذ توليه الحكم في فبراير2001
وحتى إصابته بالغيبوبة في يناير2006.
وحاول أولمرت أن يمضي على درب
شارون بشأن القدس الموحدة كعاصمة
ل"إسرائيل" لكن هشاشة حكومته
الائتلافية من ناحية والمتغيرات
التي طرأت على المنطقة بصفة عامة
من ناحية أخرى جعلت أولمرت ينصاع
إلى المطلب الأمريكي بإقامة
دولتين فلسطينية وإسرائيلية
بعاصمة مقدسية مشتركة.
ومن هنا وكسباً للوقت يسارع
أولمرت حالياً بتحصين وعسكرة
خريطة الاستيطان اليهودي في القدس
الشرقية قبل انعقاد اجتماع نوفمبر
المقبل مشيراً أمام الكنيست إلى
أنه قد يتنازل عن السيادة
الإسرائيلية على أحياء في القدس
الشرقية قائلاًً: هل من الضروري
ضم مخيم شحفاط والسواحرة والولجة
وبلدات أخرى للقول إنها أيضاً
أجزاء من القدس مع الاعتراف بأن
طرح هذه التساؤلات مشروع؟
وبينما يدلي أولمرت بتصريحه
الاستفزازي هذا كانت قواته تصادر
الأراضي في القدس الشرقية في
منطقة( إي1) الواقعة بين
القدس ومستوطنة معالية أودميم
بهدف بناء أحياء استيطانية في
القدس وتحقيق تواصل استيطاني "إسرائيل"
في المنطقة بينما يمنع هذا
مستقبلاً إقامة دولة فلسطينية ذات
تواصل جغرافي حيث استهدفت "إسرائيل"
أساساً استكمال بناء الجدار
العنصري العازل باحتوائه الأراضي
التي صادرتها، بهدف الضغط على
المقدسيين العرب للنزوح من وسط
المدينة واللجوء إلى رام الله
كمركز لحياتهم.
وهكذا يحقق أولمرت مخططه بتفريغ
وسط القدس خارج الجدار من السكان
العرب لفرض أمر واقع جديد يمليه
الهاجس الأمني الإسرائيلي وهو
الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية
الكبيرة القريبة من القدس وهي
معالية أودميم وغوش عتصيون
وآرائيل في عمق الضفة الغربية
وذلك بإعادة تجميع المستوطنات
المتناثرة في الضفة وانطواء
المستوطنين ضمن الكتل الاستيطانية
الثلاث الكبرى وتتحقق بذلك أغلبية
سكانية يهودية داخل القدس لأول
مرة في تاريخ المدينة المقدسة منذ
آلاف السنين بينما هناك أقلية
سكانية مقدسية عربية معزولة داخل
جزء صغير من مدينتها التاريخية.
وحتى يتحقق هذا المخطط الاستيطاني
تواصل "إسرائيل" التحرش بأبناء
المدينة المقدسة من خلال سحب
الهويات وتهجير المقدسيين وانتهاج
سياسة عنصرية مبرمجة ويشير أحد
التقارير الفلسطينية الصادرة في
يوليو الماضي إلى أن نسبة
المقدسيين الذين تم سحب هوياتهم
تجاوزت 500% مقارنة مع عام
2006 ومقارنة مع أعداد الهويات
التي سحبت عام 2005 ويؤكد
التقرير أن سحب الهويات من
المواطنين المقدسيين جاء لأسباب
مفتعلة أوجدتها سلطات الاحتلال
لتهجير المقدسيين واستكمال تهويد
القدس. وتمثل مثل تلك السياسات
الإسرائيلية أعلى مراحل التطهير
العرقي المنبوذ دولياً.
ويحاول أولمرت بهذا المخطط أن
يسبق الأحداث ويحقق ما فشلت فيه
محادثات كامب ديفيد ـ2 عام
2000 حيث يسعى أولمرت إلى توسيع
الأحياء ذات الغالبية اليهودية
لمواجهة السباق الديموغرافي بين
العرب والإسرائيليين ويواكب هذا
سعي حكومة أولمرت حالياً إلى نقل
جميع الوزارات والمكاتب الحكومية
إلى المدينة المحتلة خلال 8
سنوات (أي حتى عام 2014)
ماعدا وزارة الدفاع التي ستبقى في
مقرها الحالي في تل أبيب. إلى
جانب محكمة مركزية في المدينة
وإنشاء كلية خاصة تعني بربط
الشباب اليهودي بالمدينة. وفي
هذا السياق تسرع حكومة "إسرائيل"
في إقامة مقار للوزارات والدوائر
والمؤسسات الرسمية وتتحمل تكاليف
استيطان آلاف الموظفين.
هكذا تواصل "إسرائيل" اتخاذ خطوات
سريعة ومتلاحقة تحقق من خلالها
عملية ترسيم حدود جديدة بين القدس
الغربية (الكبرى) على حساب
أراضي القدس الشرقية متجاوزة الخط
الأخضر المتعارف عليه دولياً وفقاً
لحدود 1967.
وتخطئ "إسرائيل" كثيراً لو اعتقدت
أن مثل تلك الخطوات الاستيطانية
التي اتخذتها سوف ينصاع إليها
المفاوض الفلسطيني في اجتماع
نوفمبر المقبل. ولعل هذا يجعل
أولمرت يتهرب من الالتزام بصياغة
الوثيقة المشتركة مع أبومازن
مدعياً أن هذا ليس شرطاً لانعقاد
المؤتمر بينما تعلق كوندوليزا
رايس وزيرة الخارجية الأمريكية
آمالاً كبيرة على صياغة هذه
الوثيقة التي يعطيها الفلسطينيون
أهمية متزايدة ويعلنون أنهم لن
يحضروا اجتماع نوفمبر دون وجود
وثيقة مسبقة تغطي جميع المسائل
العالقة وفي مقدمتها حدود الدولة
الفلسطينية وبدء الانسحاب
الإسرائيلي من الضفة وقضية القدس
واللاجئين.