مقالات

 
 

أي سلام يريدون تفعيله بدون القدس؟

عودة لصفحة المقالات

بقلم: د.عصام سليم الشنطي

18/5/2007
 

كلما عزمت على تخصيص مقالة الأسبوع لمواضيع سياسية فكرية عامة تعود قضية فلسطين العادلة وتفرض وجودها على الساحة السياسية العربية والدولية ولا يجد المرء مفراً من واجبه الأدبي والمعنوي والوطني إلا أن يتحدث عن التطورات الجارية في فلسطين المحتلة وخاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة قدس الأقداس والوضع الأمني الفلسطيني.
المؤسف حقاً أنه كلما تحرك العرب جماعة للتحدث عن السلام الشامل والعادل على أساس الأرض مقابل السلام والاستعداد للتطبيع الكامل مع إسرائيل في حال قبلت الأخيرة الانسحاب من كل الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 تعود إسرائيل لتؤكد عملياً عدم استعدادها لقبول مبادئ السلام مع العالمين العربي والإسلامي.
والمؤسف أيضاً أنه استنفر العرب كل الوسائل السياسية والدبلوماسية الممكنة لتحريك عملية السلام مع إسرائيل وقبلوا العديد من المبادرات وأيدوا كل ما يمكن أن يقود إلى سلام في المنطقة، ولم يألوا جهداً للسفر إلى أبعد العواصم الأجنبية المؤثرة سعياً لإقناعها بضرورة تحقيق السلام الشامل في منطقة الشرق الأوسط لمصلحة الأمن والاستقرار العالميين، ولكن هذه العواصم لم تقدم سوى الوعود الجوفاء التي سمعناها طوال العقود الأربعة الماضية.
والواقع أن نتيجة المساعي والمبادرات والحوارات العربية ـ الدولية تتلخص دائماً وببساطة بتفعيل للخطاب السياسي والدبلوماسي فقط دونما اتخاذ خطوات عملية حقيقية تعيد الأمل لشعوب المنطقة وتقود إلى تجسيد السلام العادل على أرض الواقع وتصبح إسرائيل كباقي دول العالم عليها واجبات تجاه المجتمع الدولي وأهم هذه الواجبات تكمن بتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسسطينية وباقي الأراضي العربية المحتلة.
لقد أعلنت إسرائيل مجدداً قبل أيام قرارها الرسمي برفع عدد السكان اليهود في مدينة القدس الشرقية إلى مئة ألف مستوطن يهودي جديد بمشروع لبناء 20 ألف وحدة سكنية في المدينة التي احتلها الجيش الإسرائيلي في يونيو 1967. ويأتي هذا القرار بعد أيام قليلة على ظهور تقرير يشير إلى تزايد نسبة المواطنين العرب في المدينة مقابل المستوطنين اليهود.
وكان التقرير الصادر عن معهد القدس للدراسات الدولية قد أظهر أن نمو السكان العرب في القدس الشرقية في العقد الأخير يساوي ضعف نسبة نمو المستوطنين اليهود. وبيّن التقرير أن استمرار الوضع الراهن في المدينة المقدسة من دون تدخل الحكومة سيؤدي إلى خفض نسبة السكان اليهود في العام 2020 من 66 إلى 60 في المئة، في حين ترتفع نسبة السكان الفلسطينيين من 34 إلى 40 في المئة.
ولم يشكل القرار الإسرائيلي صدمة للمراقبين والسياسيين وكل من يتابع السياسة الإسرائيلية في المدينة المقدسة. فمنذ الأيام الأولى لاحتلال القدس اتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة تقوم على تقليص عدد المواطنين العرب وزيادة المستوطنين اليهود في المدينة التي أعلنتها عاصمة أبدية لها. وشملت هذه السياسة خطوات سياسية وقانونية وعمرانية وثقافية واجتماعية.
بل إن الرد الفلسطيني والعربي والدولي جاء باهتاً لا يكاد يسمع ودون المستوى المطلوب ودون المكانة الرفيعة لمدينة القدس. فهو مجرد كلمات خاوية وإدانات لفظية تحفظها إسرائيل عن ظهر قلب وتعلم أنها فقط للاستهلاك المحلي. وحتى الأمين العام للأمم المتحدة حارس الأمن والسلم في هذا العالم، فقد عبر عن قلقه للخطط الإسرائيلية وأسف لها، وبين مدى مخالفتها لخارطة الطريق وتمنى على إسرائيل الرجوع عنها.
كثيرة هي القرارات التي أدانت الاستيطان في القدس المحتلة أو في الضفة الغربية سواء التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أم عن مجلس الأمن، ولكن المستوطنات باقية وتتطور وتزدهر وتغدو مدناً، لذلك نتساءل هل يكفي أن يعرب وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط عن استنكاره لقرار الحكومة الإسرائيلية بوضع خطة لنقل معظم المكاتب والدوائر الحكومية الإسرائيلية إلى مدينة القدس المحتلة في إطار استعداد إسرائيل للاحتفال بما تسميه الذكرى الأربعين لتوحيد شطري القدس أي احتلال مدينة القدس الشرقية.
وأن يقول في تصريح له اليوم قبيل توجهه لإسلام أباد لحضور مؤتمر وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي أنه يستنكر مثل هذه الأنباء التي تأتي في أعقاب الإعلان عن خطط لبناء آلاف الوحدات السكنية في القدس الشرقية وتتناقض مع اللقاء الأخير الذي جمع بين وزيري خارجية مصر والأردن مع وزيرة خارجية إسرائيل لشرح مبادرة السلام العربية ودفع الجهود الرامية لاستئناف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية لتحقيق السلام الشامل والتوصل إلى تسويات نهائية على كافة المسارات.
بالتأكيد لا يكفي أن تعلن الدول العربية والإسلامية بطلان كافة الإجراءات الإسرائيلية التى تم ويتم اتخاذها في القدس بهدف تهويدها وفرض أمر واقع جائر عليها. أو التأكيد على رفض مشاريع الاستيطان الإسرائيلية في القدس الشرقية وبضرورة شرح الأبعاد الدينية والثقافية والقومية لقضية القدس في كافة المحافل الدولية والمنظمات العالمية والإقليمية من أجل الوقوف ضد محاولات طمس معالم المدينة والدفاع عن معالمها الإسلامية والمسيحية إلى أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للصراع العربي ـ الإسرائيلي وبناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
ولكن المحزن والمدهش في آن واحد حقاً أن القرار الإسرائيلي الخطير على مستقبل القضية الفلسطينية ومدينة القدس المحتلة تم اتخاذه بينما يعيش الشعب الفلسطيني حالة جديدة من الاقتتال الفلسطيني وتحديداً بين حركتي فتح وحماس، الأمر الذي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وإلى عمليات خطف متبادلة في تجدد للصدامات والاشتباكات المؤسفة بين الحركتين في قطاع غزة اللتين تبادلتا الاتهامات.
متى يدرك الجميع أن الأرض هي محور الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مهما اتخذت من أشكال وأدوات. والأرض هي التي تمارس عليها الشعوب سيادتها وبدونها لا مكان لممارسة السيادة الفلسطينية بل لا وجود للدولة الفلسطينية. وبناء عشرين ألف وحدة سكنية إسرائيلية هو تعد على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم ونفي مسبق لقيام دولتهم.
لا عجب أن سكان القدس يحضرون أنفسهم لقبول التعازي بعروبة هذه المدينة المقدسة التي تكاد تلفظ أنفاسها أمام الإجراءات الإسرائيلية المتسارعة في عزل المدينة عن محيطها العربي وتصغير رقعتها وتقليل سكانها تمهيداً لابتلاعهم ودمجهم إسرائيلياً.
إن ما تحتاجه مدينة القدس الآن هو برنامج تنموي كبير وشامل وهذا يتطلب الكثير من المال. وكما هو معروف أن الفلسطينيين ليس لديهم لا المال ولا الوسائل ولا حتى الشرعية التي حرموا أنفسهم منها بتأجيل بحث موضوع القدس للمرحلة النهائية من المفاوضات السياسية. والمانحون العرب والمسلمون والأجانب يحجمون عن الاستثمار في القدس لأسباب مختلفة أبرزها شكوكهم بالمرجعيات الفلسطينية من جهة وعدم قدرة هذه المرجعيات التحرك داخل مدينة القدس.
لذلك نقترح على وزراء خارجية الدول الإسلامية المجتمعين في إسلام آباد تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامية التي تأسست نتيجة لحريق شب في المسجد الأقصى عام 1969 أن تصبح المنظمة هي المرجعية المباشرة للمشاريع التنموية والاقتصادية في مدينة القدس بإشراف مباشر من أمينها العام ولجنة وزارية تشكلها الدول الأعضاء. فالقدس أمانة وعهدة ليس لدى الفلسطينيين وحدهم بل ولدى العرب والمسلمين جميعاً وقد آن الأوان للقيام بعمل جدي وعملي يحفظ لنا القدس دون ربط هذا الأمر بمستقبل العملية السلمية.
 

 

 
  عودة لصفحة المقالات