في الوقت الذي ترتفع
فيه قرقعة الحديث عن “السلام
الشامل” بين العرب و”إسرائيل”،
وبينما كان وزيرا خارجية دولتين
عربيتين، هما مصر والأردن،
منهمكين في القاهرة في مهمة
“ترويج” ما يطلق عليه المبادرة
العربية للسلام مع وزيرة الخارجية
“الإسرائيلية” تسيبي ليفني، كان
يتم الإعلان في القدس المحتلة عن
خطة استيطانية جديدة تستكمل
نهائيا عملية تهويد مدينة القدس
الشرقية لتنفذ على مدى ثماني
سنوات مقبلة تتضمن بناء عشرين ألف
وحدة سكنية جديدة على أنقاض ثلاثة
احياء عربية. وتشتمل الخطة، أيضا،
على نقل كل الدوائر والمؤسسات
الحكومية إلى القسم العربي من
المدينة، وتخصص عشرات ملايين
الدولارات لاستجلاب المستوطنين
والمستثمرين لضمان بقاء مدينة
القدس “عاصمة موحدة أبدية لدولة
إسرائيل”!
الأمين العام للأمم المتحدة، على
لسان المتحدثة باسمه، ميشيل مونتا،
أعرب مشكورا عن قلقه بسبب الخطة
الاستيطانية الجديدة، لا لشيء إلا
لأنها تتعارض مع خطة “خريطة
الطريق”، مشيرا إلى أنه ينوي
إثارة الموضوع مع المسؤولين
“الإسرائيليين” وأعضاء اللجنة
الرباعية الدولية! ربما يكون نوعا
من الطمع أن ننتظر من أمين عام
الأمم المتحدة أكثر من أن يعرب عن
قلقه وهو يعرف أن الأمين العام
للجامعة العربية كان قد أعلن بعد
قرار قمة الرياض الأخيرة بتفعيل
مبادرتها أن التفعيل لن يكون إلا
بعد وقف البناء في الجدار العنصري
العازل في الأراضي الفلسطينية
المحتلة ووقف بناء المستوطنات
ورفع الحصار الدولي المفروض على
الحكومة الفلسطينية والشعب
الفلسطيني. لكن شيئا من ذلك لم
يحدث بل بدأ التفعيل مع الإعلان
عن الخطة الاستيطانية الجديدة
لاستكمال تهويد مدينة القدس. ولا
ندري إن كان “التفعيل” جاء مع علم
الجامعة المسبق بأن الخطط
والسياسة الاستيطانية
“الإسرائيلية” لن تتغير وبالتالي
لا يجب أن ينتظر التفعيل مثل هذا
التغير، أو أن الإعلان عن الخطة
الاستيطانية الجديدة جاء ردا على
مطالب الجامعة “التعجيزية”!
في كل الأحوال لا يجب أن نستغرب
السلوك “الإسرائيلي”، ما دام
السلوك العربي على ما نرى. لكن
سلوك الحكام العرب هو الذي لا بد
أن يحير المراقبين فعلا، فهم كلما
وقعت حكومة “إسرائيلية” في أزمة،
وكلما خرجت “إسرائيل” مهزومة في
حرب أو معركة، كلما هبوا لإخراج
تلك الحكومة من أزمتها، ولترميم
الوضع “الإسرائيلي” بعد الهزيمة!
فبعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول
1973 وبعد أن أثبت الجيشان المصري
والسوري أن “إسرائيل” قابلة للكسر،
سارع الرئيس أنور السادات لزيارة
القدس وانتهى الأمر بتوقيع اتفاق
“كامب ديفيد” الذي أخرج أكبر
وأقوى دولة عربية من ساحة
المواجهة مع العدو القومي للأمة،
لينفتح الباب واسعا على كل
الكوارث اللاحقة. هذه الأيام وقبل
أن ينقضي عام على الهزيمة التي
ألحقها مقاتلو حزب الله بالجيش
“الإسرائيلي” هذه الهزيمة التي
أظهرت أن هزيمة “إسرائيل” لا
تحتاج إلى دول أو جيوش بل إلى
بضعة ألوف من المقاتلين المدربين
المؤمنين المجهزين بالإرادة وبعض
الأسلحة وحيث حكومة أولمرت غارقة
تترنح وسط أزمة ستقضي عليها في
النهاية... نجد العرب يرمون له
ولها خشبة خلاص. والمحير أكثر أن
يأتي الرد “الإسرائيلي” بما يوحي
أن كل السياسات “الإسرائيلية” لن
تتغير، وستظل تتحرك من عدوان إلى
تهديد بالعدوان، ومن خطة
استيطانية إلى خطة استيطانية
جديدة... والعرب ثابتون على تقديم
كل مساعدة ممكنة لاستمرار هذه
السياسات.
وبينما تعلو قرقعة السلام في
الساحات العربية، بل وينقلها
المندوبون العرب ووزراء خارجيتهم
إلى ساحات العالم في إطار “تفعيل
مبادرة السلام العربية”، لا يسمع
في تل أبيب إلا صوت طبول الحرب
ولا حديث عندهم سواء للجنرالات أو
للمحللين السياسيين إلا عن الحرب
القادمة التي لم تتقرر بعد، لكنها
حتما قادمة كما يقولون، والتي
يمكن أن تكون ضد غزة ويمكن أن
تكون ضد لبنان، وربما ضد سوريا أو
إيران أو ضدهما معا.
وإذا كان هذا حال بعض المسؤولين
العرب، فماذا عن المسؤولين
الفلسطينيين؟ إن مسؤولية
الفلسطينيين أكبر بكثير من
مسؤولية العرب، فهم في آخر المطاف
أول من سيخسرون، وهم من سيتحملون
وزر ما سيلحق بهم وبشعبهم وقضيته
الوطنية لأنهم المؤتمنون، أو
يفترض ذلك، على الشعب والقضية
والمقدسات. فماذا هم فاعلون إزاء
القدس والخطة الاستيطانية الجديدة؟
قد لا يكون في مقدورهم اليوم أن
يوقفوا تنفيذ خطة كهذه، لكنهم
بالتأكيد قادرون على أن يوقفوا
التصارع السخيف على المغانم
السخيفة التي يتصارعون عليها، فمن
خلال هذا الصراع يقدمون للجميع،
كل ما يجعل مما تقدم عليه
“إسرائيل” من جرائم “موقفا قابلا
للفهم”، حيث لا يمكن فهم الموقف
الفلسطيني بفضل الصورة المضللة
التي يقدمها المسؤولون
الفلسطينيون للعالم. إن العود هنا
هو الموقف الفلسطيني لا غيره...
فهل يستقيم الظل والعود أعوج؟
عودة لصفحة المقالات