مقالات

 
 

حتــى لا تقـع الكارثــة (1)

عودة لصفحة المقالات

 

16/12/2007

 

مقال بقلم: الشيخ رائد صلاح

1- حتى لا تقع الكارثة علينا أن نعلم أنّه يجري اليوم تنفيذ مخطّط تدميري لن يبقي من القدس شيئاً ولن يذر، ولن يبقي من المسجد الأقصى شيئاً ولن يذر، وعلينا أن نعلم أنّ هذا المخطّط التدميري يجري اليوم تنفيذه بصمت، بعيداً عن الإعلام إلا بقدر الضرورة التي حدّدها القائمون عليه، وعلينا أن نعلم أنّ القائمين على تنفيذ هذا المخطّط التدميري هم المؤسسة الاحتلالية الإسرائيلية وقوى عالمية ومجموعة من الجمعيات والصناديق الإسرائيلية والغربية،
وأخشى ما أخشاه أن يكون هناك بعض الجمعيات والصناديق القائمة في الحاضر الإسلامي والعربي، وسأبين ذلك لاحقاً، وعلينا أن نعلم أنّ جذور هذا المخطّط التدميري تعود إلى عشرات السنوات إلى الوراء، فهو ليس ابن اليوم ولا البارحة، وعلينا أن نعلم أنّ محتوى هذا المخطّط التدميري هو عبارة عن روح المطالب التي طالب بها "إيهود براك" خلال مفاوضات عام 2000م، والتي حظيت يومها بموافقة أمريكية من قبل الرئيس كلينتون، إلا أنّ رفض الرئيس ياسر عرفات -رحمه الله- لتلك المطالب في حينه أدّى إلى إعاقة تنفيذ تلك المطالب، وكي تتأكّد ممّا أقول فإنّ هناك نشرة تدميرية قد أعدّت بصمت وتمّ توزيعها عالمياً بصمت تحت عنوان "أورشليم أولاً"، فقط لمن يروق للقائمين على تنفيذ هذا المخطّط التدميري، ومن يقرأ هذه النشرة التدميرية يجد أنّها تتحدّث بالتفصيل عن مخططات خطيرة جداً ستنهش القدس والمسجد الأقصى بلا رحمة ويجد أنّه قد ورد في ص13 من هذه النشرة ما يلي: "هذا التصوّر كان مع رئيس الوزراء براك، الرئيس كلينتون وعرفات في المفاوضات في كامب ديفيد سنة 2000م، كأساس لنقاش فكرة تقسيم السلطة أفقياً على المسجد الأقصى".
وهذا يعني أنّ هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولا" يتمازج فيها الخلفية الإسرائيلية الدينية والسياسية والأمنية والاستيطانية، وهذا يعني أنّها تعكس موقفاً رسمياً إسرائيلياً وموقفاً شعبياً إسرائيلياً محلياً وعالمياً، وليست مجرد أحلام سوداء لعناصر متطرفة يهودية قليلة.

2- ومن يقرأ هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولا" يجد أنّها تقوم على محاولة خداعنا على الصعيد الفلسطيني والعربي والإسلامي والادعاء الكاذب أنّ هذا المخطّط التدميري سيقوم على تعاون مشترك وإدارة مشتركة "يهودية مسيحية إسلامية" وأنّ هذا المخطّط جاء لإدخال مشاريع إعمار على القدس والمسجد الأقصى، ولذلك فإنّ من شأن هذا المخطّط أن ينعش السياحة والحركة التجارية والاقتصادية ومستوى المعيشة لكلّ أهل القدس، سواء كانوا يهوداً أو فلسطينيين، إلا أنّني أقول سلفاً أنّه مخطّط تدميري، وما هذا التهريج السفيه عن مشاريع إعمار وانتعاش سياحي واقتصادي ما هو إلا ذرّ للرماد في العيون، بل وقد يسعى إلى قلع العيون أصلاً، وعلى سبيل المثال: يقول القائمون على هذا المخطّط التدميري في هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولا" ص1:"نقدّم لكم عصارة الدراسة والأفكار والمخططات لمشروع"أورشليم أولاً" وذلك لتغيير وضع الحوض التاريخي في القدس كعمل وطني بمشاركة الشعب اليهودي وبدمج "المسلمين والمسيحيين" ويقولون في ص1: "3- العمل على إنشاء جسر من الثقة والعمل المشترك مع القائمين حالياً على إدارة الأوقاف الإسلامية والمسيحية بالحوض..."، ويقولون في ص1 "5- إنشاء جسم متخصّص لبلورة وتجميع المعلومات التخطيطية والتنظيمية والتاريخية والدينية السياسية بين الأديان وبلورة الخبرة لدفع النقاش والتفاهم بين الأديان والمسؤولين عن الأوقاف".
ويقولون في ص1: "6- إنشاء جهاز لتشغيل العمالة بطريقة كبيرة وفعّالة وبجميع التخصّصات المتنوّعة ويشمل ذلك تشغيل المسلمين والمسيحيين في القدس - هناك 5000 فرصة عمل سواء بالتخطيط أو البناء أو الصيانة"، وكذلك يقول القائمون على هذا المخطّط التدميري في هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولا" ص2: "العمل على تطوير هذا الحوض بعيداً عن أي خلاف سياسي أو إيديولوجي، وذلك بإيجاد إدارة مشتركة من مختلف الأديان: اليهود، المسيحيون والمسلمون"، ويقولون ص3: "د- عمل خطوط وبرامج للحفاظ على الأمن والأمان اللازم وخصوصاً في المسجد الأقصى وساحة البراق، بغية الوصول إلى الهدف المرجوّ، وهو إقامة حرس مشترك لحماية هذا الحوض يتشكّل من اليهود والمسلمين والنصارى"، ويقولون ص4: "... وبحيث يتمّ تشكيل جهاز مشترك يهودي إسلامي مسيحي لتشغيل هذا الحوض وإدارته وتأمين حرية الوصول والعبادة والسياحة والبحث"، وهناك شواهد أخرى في هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولاً" تصبّ في نفس الاتجاه.

3- إلا أنّني أؤكّد مرّة بعد مرّة أنّ كل هذه الأقوال التي أوردتها على لسان القائمين على هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولاً" هي محاولة رخيصة لخداعنا والضحك على ذقوننا، وكل ما يطمعون به من وراء هذه الأقوال السرابية هو ابتزاز شرعية منّا لإبقاء الاحتلال الإسرائيلي على القدس والمسجد الأقصى، حيث أنّ هؤلاء القائمين على هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولاً" في الوقت الذي يحاولون فيه زرع هذه النشرة بتلك الأقوال السرابية، إلا أنّهم يؤكّدون في نفس الوقت أنّ كلّ ذلك سيتمّ -وفق أحلامهم- تحت سيادة إسرائيلية على القدس وعلى المسجد الأقصى، فها هم يقولون في هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولا": "توحيد مبنى شركتين حكوميتين بلديتين تعملان حالياً لتطوير الحوض مع صندوق "ميراث حائط المبكى"، والذي يعمل بإدارة حائط المبكى" وطويهم جميعاً تحت جسم واحد مؤثّر ومركزي "أورشليم أولاً" والذي سيعمل كذراع حكومي وبمشاركة الشعب اليهودي وبلدية القدس، بغية تنفيذ هذا المشروع"، وهذا يعني وفق أحلام القائمين على هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولاً" أنّ كلّ ما ذكر من مشاريع إعمار وانتعاش سياحي واقتصادي وتعاون يهودي مسيحي إسلامي، وحراسة مشتركة يهودية مسيحية إسلامية، كل ذلك سيخضع وفق أحلامهم لهذا الجسم الواحد المؤثّر والمركزي "أورشليم أولاً"، والذي سيعمل وفق أحلامهم كذراع حكومي وبمشاركة بلدية القدس العبرية وكل الشعب اليهودي في كل العالم. بمعنى آخر أنّ القائمين على هذه النشرة التدميرية يخطّطون لاستدراجنا بخبث قبيح بهدف أن نوافق بالاكتفاء بإدارة دينية شكلية على بعض مواقع المسجد الأقصى، وأرجو الانتباه وأعني ما أقول على بعض مواقع المسجد الأقصى، وعلى بعض مواقع المقدّسات المسيحية تحت سيادة إسرائيلية مطلقة على كل القدس وعلى كل المسجد الأقصى.

4- ويؤكّد ذلك قول القائمين على هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولاً" ص2: "إقامة جهاز إداري واقتصادي وتجاري يعمل كذراع للدولة والبلدية، وبمشاركة الشعب اليهودي لإدارة هذا الحوض، حيث يكون هذا الجسم اليهودي ممثلاً لليهود في هذا الجهاز، لكي يوازي الجسم الإسلامي والجسم المسيحي، وبطريقة تكون قرارات الممثلين اليهود في المجموعة هي حصيلة مشاركة كل يهود العالم تحت مظلّة دولة إسرائيل"، وهذا هو المهمّ في أحلام القائمين على هذه النشرة التدميرية، أن يتمّ تنفيذ كلّ فحوى هذا التعاون اليهودي المسيحي الإسلامي" تحت مظلّة دولة إسرائيل".

5- ويؤكّد ذلك قول القائمين على هذه النشرة التدميرية "أورشليم أولاً" ص3: "8- تحديد من هم الجهات التي ستقوم بالعمل لإنجاز مشروع الشركة - أورشليم أولاً - من الوزراء والوزارات واللجان الوزارية، وتحديد الجهات الممثّلة ليهود العالم"، وقولهم ص4: "هناك مؤسستان تعملان كشركات معترف بها من الدولة وتقع السيطرة على الحوض المقدّس تحت امرتيهما، وهما شركة تطوير شرقي القدس وشركة تطوير الحي اليهودي، والاقتراح هنا أن يتمّ مزج هاتين الشركتين وتوحيد جهودهما وإدارتيهما لهدف سام، بحيث تصبحان تابعتين للدولة وللشعب اليهودي، وبالاشتراك مع البلدية، بحيث تقوم الدولة ويهود العالم بتجييش كل الجهود والموارد والضغط السياسي بأشكاله، بغية تطوير الحوض المقدّس لبنائه ولتسهيل الوصول إليه...".

6- ويؤكّد ذلك قول القائمين على هذه النشرة التدميرية ص4 أنّ هذه الإدارة المشتركة اليهودية المسيحية الإسلامية التي يحلمون بتشكيلها "سوف تشكّل أرضية إدارية يمكنها أن تحسن دائما من موقعها وتقوية أسهمها، وتغيير إدارتها وقوانينها، بحيث تصبح ذراع الدولة الهادف لتمرير وتقدّم هذا المشروع"، نعم، هكذا يريدون لهذه الإدارة المشتركة أن تصبح "ذراع الدولة".

7- ويؤكّد ذلك قول القائمين على هذه النشرة التدميرية ص4: "1- تشريع وتشجيع تشريع قانون حكومي هدفه تطوير جبل الهيكل الموسّع والحوض المقدّس" كمشروع قومي" وتنسيب هذه الشركة لإدارة هذا المشروع ولإعلانها كشركة حكومية. مشروع هذا القانون يتمّ تقديمه بواسطة وزير السياحة ووزير شؤون القدس والمهجر وبتصديق من رئيس الحكومة.
2- تصديق مشروع هذا القرار بالكنيست الإسرائيلي بشكل يسمح ليهود العالم بالمشاركة في إدارة الشركة المقترحة لإدارة المشروع".
والشواهد كثيرة، وما أوردته حتى الآن يبيّن بشكل واضح أنّ القائمين على هذا المشروع يرون بدورهم دورا رسميا يمثّل الدولة والحكومة والكنيست والوزارات الإسرائيلية والشعب اليهودي في كل العالم، وفي نفس الوقت يصرّون أن تكون هناك إدارة مشتركة لكل هذا المخطّط التدميري ويصرّون أن تكون هذه الإدارة المشتركة يهودية مسيحية إسلامية خاضعة مباشرة للسيادة الاحتلالية الإسرائيلية على القدس المحتلّة والمسجد الأقصى المحتلّ.

8- والسؤال الذي يُسأل: لماذا يريدون هذه الإدارة المشتركة؟! والجواب واضح، إنّهم يريدون إدارة مشتركة صورية هدفها إضفاء شرعية على احتلال المؤسسة الإسرائيلية للقدس والمسجد الأقصى، وهدفها خداع الحاضر الإسلامي والعربي والفلسطيني، والادعاء أنّ المؤسسة الإسرائيلية الاحتلالية قد منحت إدارة دينية للمسلمين والمسيحيين على بعض مواقع مقدّساتهم، ومنحتهم حقّ الإشراف عليها وحراستها، والمساهمة بإعمارها، ولكن تحت السيادة الاحتلالية الإسرائيلية.

9- ومن أخطر أهداف إقامة هذه الإدارة المشتركة هو ابتزاز شرعية باسمها على فرض السيادة الإسرائيلية الاحتلالية على كل ما يسمونه الحوض المقدّس، والذي يعرّفون حدوده بالتفصيل وفق أحلامهم السوداء ص2 من هذه النشرة التدميرية، حيث يقولون أنّه: "المنطقة الواقعة بين جبل الزيتون - حي اليهود ومركز حارة النصارى حتى سلوان حتى بابا الساهرة، وبالتفصيل الأحواض: مدينة داود، المقبرة ومنطقة جبل الزيتون، وحديقة وادي قدرون، وادي الملوك، حديقة وادي جهنّم (بركة السلطان وجنوبها)، ساحة البراق، وبناية المحكمة (المدرسة التنكزية)، حديثة عوفل، وساحة جبل الهيكل (أي المسجد الأقصى)، ومنطقة المقبرة الإسلامية الواقعة شرقي جبل الهيكل (أي شرقي المسجد الأقصى وهي مقبرة الرحمة)، ومنحدر الأسباط، والحي الإسلامي، والحي اليهودي، والحي المسيحي، منطقة مغارة سليمان، الطرق الموصلة بين الأحياء وصولاً للحوض المقدّس، والطريق الموصلة بين باب الخليل وصولاً إلى باب المغاربة وطريق أريحا - باب المغاربة ومواقف السيارات في حارة اليهود، موقف مدينة داود وجبل صهيون (النبي داود)".
نعم، هذا ما كتبوه بالتفصيل في هذه النشرة التدميرية، وهو في نظرهم الحوض المقدّس التاريخي الذي يجب أن يسيطروا عليه، ويجب أن يبتزّوا شرعية لهذه السيطرة الاحتلالية من خلال مصادر شتى من ضمنها هذه الإدارة المشتركة.

10- ومن أخطر أهداف إقامة هذه الإدارة المشتركة هو ابتزاز شرعية فرض السيادة الاحتلالية الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وأداء الطقوس الدينية اليهودية في المسجد الأقصى، وإقامة كنيس كبير على المدرسة التنكزية وهي إحدى مباني المسجد الأقصى، وتنفيذ مشاريع تدميرية أخرى في المسجد الأقصى، كل ذلك تحت غطاء هذه الإدارة المشتركة، فها هم القائمون على هذا المخطّط التدميري يعتبرون أنّ المسجد الأقصى هو جزء من الحوض المقدّس الذي يجب أو يسيطروا عليه، حيث يقولون صراحة ص3 من هذه النشرة التدميرية: "6- التقرير بأنّ هذه الشركة المقترحة هي الجهة الممثّلة للدولة والشعب اليهودي في الحوض المقدّس، وخصوصاً في جبل الهيكل" ويقصدون بجبل الهيكل المسجد الأقصى، كذلك يقولون صراحة ص4 من هذه النشرة التدميرية: "... فتح هذا الحوض وتأمينه وحمايته أمنياً، بحيث تسود فيه الحرية للعبادة وللأبحاث في جميع أنحاء الحوض بشكل عام وبجبل الهيكل بشكل خاصّ، وبحيث يتمّ تشكيل جهاز مشترك يهودي إسلامي مسيحي لتشغيل هذا الحوض وإدارته وتأمين حرية الوصول والعبادة والسياحة والبحث"، والمقصود بجبل الهيكل في هذه الفقرة هو المسجد الأقصى، كذلك يقولون صراحة ص4 من هذه النشرة التدميرية: "1- تشريع وتشجيع تشريع قانون حكومي هدفه تطوير جبل الهيكل الموسّع"، ويقصدون بجبل الهيكل المسجد الأقصى، كل ذلك يشير إلى أنّهم يخطّطون لإيقاع كارثة قادمة على القدس المحتلّة وعلى المسجد الأقصى المحتلّ، وسيحاولون ابتزاز شرعية لهذه الكارثة القادمة من أكثر من طرق ومن ضمنها هذه الإدارة المشتركة، لذلك أتمنّى على الجميع منّا ألا يقع في هذا الفخّ المدمّر لأنّ هناك حديثاً سرياً يجري اليوم من أجل إقامة هذه الإدارة المشتركة بين أكثر من طرف، والمطلوب أن نستيقظ حتى لا تقع الكارثة.
 

 

 

  عودة لصفحة المقالات