مقالات

 
  عودة لصفحة المقالات  
 

الأقصى.. أربعون عاماً

10/06/2007

 

بقلم: عبد الله معروف

في ذكريات الأيام يعتبر الأربعون وقتاً له نكهة وطعم خاص سواء كان ذلك بحلاوة ذكرى طيبة أو بمرارة ذكرى أليمة.. وعندما يتعلق الأمر بالأقصى فإن اللوعة تشتد وتزداد في القلب، ويقف اللسان حائراً.. فالأربعون هي سن بلوغ الإنسان أشده واكتمال عقله.. وهي تحل الآن على الأقصى المبارك وقد بلغ الأسى أشده.. واكتملت حلقات المؤامرة الكبرى على هذا المسجد وأهله وأبنائه.. وفي ذلك لنا عبرة.

احترت في عنوان هذا المقال.. فقد عنونته أول مرة: (الأقصى.. أربعون عاماً في الأسر)... ثم عدلتها إلى (الأقصى أربعون عاماً بعد السقوط).. ثم فكرت (الأقصى.. أربعون عاماً تحت الاحتلال)... ولكني لم أجد أياً من هذه الكلمات تعبر عن هول الذكرى وضخامة حجمها وأبعادها... فإذا بي لا أجد أبلغ من أن أعنونه: (الأقصى.. أربعون عاماً).... وكفى..!!

هي أربعون عاماً من الاحتلال.. أربعون عاماً من الأسر.. أربعون عاماً من المصائب.. أربعون عاماً من الابتلاء.. أربعون عاماً من الكارثة.. أربعون عاماً من الضياع.. أربعون عاماً من الهوان... أربعون وأربعون وأربعون.... سمها ما شئت.. إذ إن كل كلمات السواد والأسى والسخط لا يمكن أن تعبر عن مثل ما يسكن القلب في هذه الذكرى.

أربعون عاماً خلت منذ بدأت قلاع الصمود العربية بالتهاوي واحدة تلو الأخرى لتترك الأقصى المبارك للمصير الذي رسمته الأمة بيديها.. أربعون عاماً خلت منذ كانت الإذاعات تصدح بغير ما ترى العيون.. فيصدق المرء منا أذنه ولا يصدق عينيه.. حتى انجلت عن أشد وأكبر هزيمة عرفها التاريخ المعاصر.. وفي نظري لم تكن هزيمة فقط.. بل نكبة جديدة لم تكن أقل من سابقتها التي أتت على معظم الأرض الفلسطينية عام 48.

كل ما كتبته الآن كان من قبيل ما يقال في العادة في مثل هذه الحالات.. ولا ضير في أن تخط الحزن على السطور.. فالأمر شديد.. والذكرى أليمة.. والكارثة كبيرة.. لكن علينا أن ننعتق من جلد الذات قليلاً.. ونقف لحظة لنشهد تغيرات التاريخ.. فالضغط يشتد من قوى الاستكبار.. والأمور تتعقد يوماً بعد يوم.. ولكن النظرة للأمور الآن لا شك تختلف.

فقبل أربعين عاماً لم تكن القضية في نظر الكثيرين مسألة أقصى ومسجد وأرض مقدسة.. بل كانت مصبوغة بصبغات كثيرة ومصطلحات دخيلة أتتنا من الخارج كالإمبرليالية وطغيان الرأسمالية والاشتراكية وغيرها من هذه التعابير التي ضعف اليوم ألقها وخفا نورها.. لتحل اليوم مصطلحات من قلب الألم ومن قلب الأزمة.. فالمسألة الآن مسألة فلسطين الأرض المقدسة لدى جميع العرب والمسلمين.. لا مسألة فلسطين الفلسطينية... والصراع الآن يحتدم ويشتد على أهم البقاع فيها وهو المسجد الأقصى المبارك.. ويقفز المسجد اليوم ليحتل قلب القضية، وليفجر في يومين انتفاضة عارمة سميت باسمه لأول مرة في التاريخ.. نعم.. لقد أصبح الأقصى هو قائد هذه المعركة.. ولم تعد المعركة معركة بلديات وقرى و(عاصمة لدولتين!!).. بل معركة يتعانق فيها المقدس بالوطني.. ليصبح مزيجاً يوقظ الأمة من سباتها.

وها هم اليوم أهل القدس أشد ما كانوا عليه من الهمة والصمود رغم ازدياد الضغوط الظالمة.. بل إن ناقوس الخطر الآن قد دق في أروقة كيان الاحتلال بعد أن باءت كل محاولات الاجتثاث بالفشل.. ليصدموا بحقيقة أن سكان المدينة أصبحوا أكثر مما كانوا عليه.. وأشد وأوعى مما كانوا عليه إبان الاحتلال.. وبات مفكروهم يقولونها بوضوح: (لا تحلموا بالترانسفير.. ولا تحلموا بتكرار الهجرة والنزوح.. فقد استيقظ الناس)..!!

المعركة الآن استدرات لأول مرة في التاريخ لتكون في صالحنا.. فما سمي بالقنبلة الديمغرافية أصبحت لهم بالمرصاد.. ولم يجد كيان الاحتلال نفسه فاقداً للقيادة الحكيمة كما وجد نفسه اليوم.. ولم يزدد معدل الهجرة العكسية لليهود خارج هذه الدولة مثل ما ازداد في هذه الفترة.. ولم يزدد ظلمهم وطغيانهم وجبروتهم على أهل هذه المدينة المقدسة كما ازداد الآن.. وتلك هي حيلة الضعيف الذي لم يعد يقوى على متابعة المعركة فيلجأ لآخر وأشد ما لديه من جبروت قبل أن تخور قواه ويسقط كما سقط من قبله من المحتلين.

ما عليكم يا أهل القدس إلا أن تصبروا وتصمدوا أكثر فأكثر.. فقد مضى أربعون عاماً.. وما بقي إلا القليل.. وما عليكم يا شعوب العالم العربي والإسلامي إلا أن تعملوا بجهد أكبر وأشد.. فالأمر كله اليوم منوط بإرادة الشعوب.. التي هي الوحيدة القادرة على أن تحول الأربعين عاماً من الهزيمة والكوارث في سجل التاريخ إلى أربعين عاماً من العمل والجهد والصمود والصعود بعد تلك السقطة الشنيعة، والعبرة دائماً في النتيجة.. والتاريخ شاهد.. والفجر قريب.

 

 

  عودة لصفحة المقالات